أسهمت الشغيلة التعليمية في إنجاح محطة امتحانات الكفاءة المهنية لهذه السنة وسط ظروف خاصة تميزت بإطلاق مشاورات موسعة حول إصلاح المنظومة التربوية يتوقع أن تفضي لإيجاد صيغ ملائمة لتجاوز الفشل الذي لازمها منذ عقود عبر بلورة تصورات وطنية ملائمة وبرامج قابلة للتنفيذ قد تؤتي أكلها بعد حين وقد تعود بنا مجددا لنقطة البداية.
واعتبارا لما للامتحانات المهنية من قيم تحفيزية للترقي نجد أنفسنا أمام أسئلة من الضروري أن نتسلح بكثير من الموضوعية للإجابة عنها:
هل يمكن أن نتوقع إعلانا لنتائج امتحان الكفاءة المهنية مستقبلا مشفوعا بنقط التقويم في كل مادة اختبارية، ونقط الإدارة التربوية؟
أليس من حق الموظف أن يطالب بمراجعة أوراقه كلما تبين له أن خطئا ما ارتكب في مرحلة التقييم أو مرحلة إدخال النقط إلى البرنام؟
ما التكلفة المادية والبشرية، التي يتملص المركز الوطني للامتحانات من تحملها حتى يوفر للممتحن خدمة الاطلاع على النقطة النهائية عبر نافذة في بوابة الوزارة الالكترونية على غرار نتائج الباكالوريا؟!!
وهل سنلمس ثمار دستور 2011 على هذا المستوى، بحكم تأسيسه لحق المواطن في الحصول على المعلومة، فبالأحرى المعلومة المتصلة بمستوى أدائه في اختبارات مهنية؟
ألا يمكن اعتماد "الكوطة" المخصصة للترقي بالامتحان المهني إقليميا، بدل اعتمادها بشكل غير متوازن وطنيا، تفاديا لهيمنة أقاليم على أخرى، بفعل تغييب مبدأ الموضوعية في التقدير وتباين منسوب الصرامة والمرونة بين لجن التصحيح الإقليمية، أو بفعل حضور عامل الولاء القبلي والحزبي، كما تجلى بوضوح في نتائج امتحانات الكفاءة المهنية لسنة 2009 حين بسطت نيابتي بنكرير وقلعة السراغنة هيمنتهما على نسب الناجحين على الصعيد الوطني؟
ما سبب طول المدة الفاصلة بين موعد الامتحان المهني وتاريخ صدور النتائج، والتي تمتد أحيانا إلى سبعة أشهر بالرغم من إدماج وسائل التكنولوجيا الحديثة في تدبير المنظومة التربوية والسرعة القصوى التي تنتهي بها عملية التصحيح؟ ألا يساهم هذا التماطل في إذكاء مشاعر القلق وتعزيز هواجس الأوساط التعليمية المشككة في نزاهة نتائج الامتحانات المهنية؟
إن الإفصاح عن معلومات المتبارين، يشكل أهمية كبيرة ليس فحسب للذين وفقوا، بل هو إجراء جوهري للفئة التي "أخفقت" وتستعد لإعادة المحاولة السنة المقبلة، وتأتي هذه الأهمية من زاوية الرغبة في معرفة مكامن الإخفاق ليستدرك ومكامن القوة ليعزز ويدعم، هذا بالطبع إن كانت الجهات المشرفة على هذا الورش السنوي تسعى لبلوغ غايات وأهداف تربوية نبيلة لصالح العملية التربوية عموما ورأسمالها البشري تحديدا، وليس فحسب تنفيذ التزامات اجتماعية تجاه الهيئات النقابية وإن على حساب قضايا تؤثر حتما على تجويد أداء المدرسة الوطنية.
ويأتي هذا المطلب المشروع في ظل واقع غير سليم سنتناول بعضا من مظاهره السلبية، فخلال العشر سنوات الأخيرة كنا نرصد باستمرار لوائح ناجحين تضم أرقاما تسلسلية متتالية تعود لأفراد اجتازوا الاختبار داخل نفس القاعة، بل رصدنا قاعات بأكملها ضمن الناجحين، ما يدل على أنها لمرشحين ساقتهم حسن الصدف بين يدي مصحح بالغ الكرم والأريحية، مما يعطي انطباعا قويا عن غياب الموضوعية ومبدأ تكافؤ الفرص، هذا مع استحضار فرضية توظيف أساليب التحايل وهذه مهمة أسند الكشف عنها لكل من الأطر المكلفة بالمراقبة والمصحح المطالب بالتأكد من أصالة المنتوج.
ومن غير المفهوم أن يتجاهل المصحح سلم التنقيط ويمنح أولوية مطلقة لعنصر ثانوي في الاختبار خصصت له نقطة أو نقطتين، نذكر على سبيل الذكر لا الحصر، ما يسمى جودة الخط ومقروئيته، فهل يتصور أن يشكل الخط عائقا أمام موظف سبق وان اجتاز بنجاح مباراة ولوج المهنة وما تلاها من استحقاقات الكفاءة التربوية، ثم نأتي في الأخير ونطالبه بشرط هو بمثابة تحصيل حاصل؟! وإن كان شرط جودة الخط أساسيا في التدريس، فلم يتسرب للمهنة من يعدمونه؟ وعادة ما يكون التقييم جزئيا متسرعا دون الاطلاع على المجمل ليتبين اندراجه في صميم الموضوع من عدمه، كما تكافؤ الأجوبة التي ترد في صيغة تخطيط (جذاذة)، ويبخس حق التي ترد في صيغة عرائض، رغم ورود السؤال على ذات المنوال وخلو منطوقه من أية عبارة تدل على ضرورة إنجاز التخطيط.
وسبق لإطار تربوي أن علق مشاركته ضمن لجن التصحيح على إثر تصرفات بعض أعضائها التي نعتها "بغير المسؤولة" حيال أوراق التحرير التي لا تنال حظها الكامل في التقييم، إذ يظل الحصول على التعويض المادي والانتهاء من العملية بأسرع ما يمكن هو معيار البلاء الحسن، على حد تعبيره. وهنا لابد من الإشارة إلى أن إشراك أساتذة المراكز التربوية في لجن التصحيح، إجراء غير حكيم، مادام أن التقييم الشامل يتطلب استحضار الممارسة الصفية إلى جانب المعارف النظرية، وهذه جزئية جوهرية تغيب عن مدارك هذه الفئة، لذلك فالإطار التربوي الذي يزاوج بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية بالمدرسة العمومية، هو المؤهل للتقدير الأمثل للمنتوج النهائي.
ختاما، نؤكد على أن إخفاء نقطة الامتحان المهني وباقي مكوناتها، وفر حماية للعابثين بالأوضاع الاجتماعية للموظفين وأسرهم، وساهم في تنامي مجموعة من الظواهر السلبية وكرس الإحباط من منهجية الامتحان وطرق التقويم لعدم ترسيخ مبدأي الشفافية والحكامة في جميع مراحله، حيث أصبح معيار النجاح مقرونا بالحظ وبعيدا كل البعد عن الكفاءة والاستحقاق، الشيء الذي يربك العاملين بالميدان ويخلق نوعا من الشك وانعدام الثقة لديهم، ومما يعمق سياسة التعتيم والكولسة إصدار تعليمات واضحة بمنع تسريب عناصر الإجابة.
ذ. محمد بوتلغت