كتبه الأستاذ قبس عبدالله .إقليم سيدي بنور
أكثر من حالة انتحار في مدة قصيرة
خلال شهرين متتابعين عرفت منظومة التربية والتعليم بجهة دكالة - عبدة حدثين بارزين ، أولهما كان يومه الإثنين 07-04-2014 ، والثاني في نفس اليوم بتاريخ 07-05-2014 . أستاذان ينتحران قبل حصتهما الرسمية ، أستاذ مادة اللغة الإنجليزية بالثانوية الإعدادية إبن عربي بجماعة الغربية نيابة سيدي بنور ، 35 سنة من العمر ، والذي أقدم على وضع حد لحياته بالإنتحار شنقا بمقر سكنه ، وكان قد حصل على رخصة تغيب لمدة شهر فاختار نفس اليوم الذي كان سيستأنف فيه مسيرته المهنية ليكون اليوم الأخير في سجل حياته. والآخر أستاذ مادة الفيزياء بالثانوية التأهيلية الحسن الثاني بآسفي ، والبالغ من العمر 48 سنة شنق نفسه في شقته ، حيث تخلف عن حصة تدريس كانت ستنطلق قبل ساعة .
مجموعة من التفاصيل الغريبة المتقاربة في حادثين منفصلين في المكان ومتشابهين في الطريقة واللحظة – مساء الإثنين - ولربما الأسباب ، قبل الحصة الدراسية وبنفس الحبل المشؤوم المعلق فوق كرسي . عدوى الانتحار هذه تتفاقم في صفوف رجال التعليم بشكل قياسي هذه الأيام مما يبعث على الحيرة. كما تم أيضا خلال نفس الشهروفاة رجل تعليم بقصبة تادلة وضع حدا لحياته شنقا بواسطة حبل بحجرة داخل مؤسسة ثانوية مولاي الرشيد التأهيلية ،الهالك مقبل على التقاعد يشغل "عون تقني" اب لسبعة أبناء .و شهدت أيضا بني ملال حالة إنتحار جديدة متقاربة زمنيا تتعلق بأستاذ آخر وضع حدا لحياته شنقا داخل مسكنه بوساطة حبل يومه الأحد .
سلوك إنتحاري نملك اليقين الكافي لنحدد أسبابه مادمنا لا تعوزنا الدراسة لتعرف ملابساته ، مع العلم أننا لا نقررمدى أحقيتهم في إتخاد خطوة واحدة لإنهاء حياتهم ، لا يخرج هذا السلوك عن كونه إضطرابا في التفاعل بين الأستاذ المنتحر وبيئته بما فيها مشاكله المادية المرتبطة بوضعيته المتقهقرة أو نفسيته المضطربة بحكم ظروف عمله الصعبة ، تجتمع كلها لتعصف بالصحة النفسية لمدرسين يفتقدون المعنويات التي تضمن إستمراية التوازن العاطفي ، هذا الأخير الذي يخلق إستمرارية الحياة. وهي ليست كما تصف الأحكام المتسرعة من كونها حالات إنتحارعبثية لا تمتلك تأشيرا حقيقيا على مشكلة معينة ، أو كما يحلو للبعض أن يجعلها محض سلوك فردي أقرب إلى الاحتجاج على تقصير شخصي مرتبط ببعض الشخصيات اليائسة . إذ أنها أعمق من أن نختزلها فقط في السلوك الإنهزامي لكونها فعلا حالات وبائية لا تستدعي الدراسة المستعجلة بقدر ماتستوجب التذخل السريع بتعميق البحث حول ملابساتها وإلقاء الضوء على دوافعها وتأثيراتها على المؤسسات التربوية بشكل خاص و المجتمع بشكل عام . . .
دعوة إلى التأمل والتساؤل
هذا الترابط في الأحداث والحالات ليس عبثيا ، فهو يدفعنا إلى التساؤل المنطقي قبل الدهشة الفطرية . هل حقا هو الضغط النفسي الذي يعانيه رجل التعليم هو ما يمكن أن يعتبر سببا قويا للإنتحار . . . ؟ هل هي اللامبالاة والتهميش في حق رجل تدريس لا يتم تثمين مبادراته ، ولا حتى الرقي بتوازنه الذاخلي ليستوعب الضغط اليومي والتسارع المحموم لمجتمع لا يقدر قيمته فيعترف بأدواره . . . ؟ هل ينبغي في كل مرة أن نلقي باللوم على الإكتئاب ليطوى الملف ببساطة وتقدم التعازي دونما تحليل أو تفسير . . . ؟ ألا يجدر بنا معاتبة السياسة التربوية التي تعزز الإختناق المعنوي وتغذي طفيليات الإضطرابات النفسية الكفيلة بتدمير الصحة النفسية أحيانا كالإلتحاق بالعمل دونما مراعاة نفسية الأستاذ المريض أو تقديم حلول إستثنائية لصالح من يعانون من الإضطراب. . . ؟ هل تعتبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة هي الأخرى حبل إعدام غير مرئي تساهم في تدهور الإستقرار النفسي عبر قتل قيمة المدرس بتهافتها وراء الأخبار السيئة من قضايا الإغتصاب والتحرش الجنسي ، و كأننا في بلد لا توجد فيه عن رجل التعليم سوى أنباء عن جرائمه الجنسية أو ضحايا تعنيفه اللفظي والجسدي . . . ؟ ولماذا لا يأخد الإعلام على عاتقه تثمين مجهوداتهم الشخصية ولا حتى الإعتراف بأدواره عبر تقديم أمسيات تخلد نماذج حية لأساتذة وأطر متميزة ساهمت في الرقي ببلدنا الحبيب . . . ؟؟ ألا ينبغي من أصحاب الشأن التربوي تعميق التحليل قصد الوقوف على العوامل النفسية التي من شأنها أن تدفع بإنسان بلغ درجة من الوعي والمسؤولية أن يلف حبلا فوق كرسي دون أن يستشعر قدرا من أمانة الحياة التي حملها . . . ؟ ألا ينبغي من أصحاب القرار إنشاء مراكز خاصة وخلق تكوينات فعليه ترسخ مفاهيم تقدير الذات للأستاذ المربي والسهر على تثبيت مفاهيم العطاء وتثمين المجهودات للرقي برجال الطبشورة . . . ؟ ألا ينبغي من باقي الأطر التربوية أن توفر نوعا من المشاركة العاطفية والإنفتاح على كل أستاذ يعاني إضطرابا أو مشاكل مادية أو معنوية من شأنها العبث بصحته النفسية . . . ؟ ألا يمكن أن يتحمل كل من المجتمع والمؤسسة والإدارة والإعلام والأطر والأسر مسؤولية تفاقم هذه الظاهرة أم يقتصر الأمر فقط على سلوك شخصي ؟ كلها تساؤلات لن تتوقف مادمنا لم نقف وقفة ضمير حي واعتراف بهذا الإطار الذي يملك مفاتيح إصلاح التعليم . تساؤلات تفرض نفسها في كل حالة من حالات الإنتحار المختلفة لأن قاسمها المشترك هو ذاته الأستاذ الذي يعيش نفس الأحداث . . .
قف للمعلم
لا ينبغي أن نقف بخشوع فقط في حفلة تأبين حزين لنخلد ذكرى الفقد بعبرات أو كلمات بقدر ما يجب الغوص في عمق الظاهرة التي تحصد أرواح أطرنا التربوية . كما أنه ليس من اللائق وضع باقة من ورود الحزن والعزاء فوق قبر الأستاذ المنتحر بقدر ماكان يجب وضع وردة وحيدة وهو على قيد الحياة ، وردة من التقدير نغرسها دافئة في قلب عطائه وتضحياته قبل أن تدمره الأمراض النفسية ، وردة من التثمين لمجهوداته اليومية نغرسها عميقا في لب تفكيره الذي يستزفه الجهد في الفصول الدراسية قبل أن يغرس الإضطراب النفسي سهام الإكتئاب في روحه فيلجأ في ظنه إلى حبل الخلاص . ووردة أخرى من المشاركة العاطفية لإهتماماته وطموحاته بدل تشويه صورته في المنابر الإعلامية وتحميله جرم التأخر التعليمي أو فشل المخططات التربوية . . .
هذا الأستاذ الذي وضع حدا لحياته بواسطة حبل أمثاله كثيرون لكنهم لا زالو على قيد الحياة . تنتحر في أعماقهم مبادئ المسؤولية مع مطلع كل ذخول مدرسي بسبب الظروف القاسية ، وينتحر فيهم العطاء المهني لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، فكيف بالذي لا يعيش تفاعلا إيجابيا مع مجتمعه الكبير أن يؤسس لثقافة العطاء في مجتمعه الصغير – الفصل الدراسي - فيهمل بعضهم الواجب قسرا بفعل تراكم الضغوطات . لا أحد يدرك فعلا أن عمليات الإنتحار لا تطال الأجساد ولكنها أيضا تعصف بالمبادئ وتقتات على الضمير ، و هي حالات من الإعدام الحقيقي لا تنشر في الجرائد ولا تتداولها صفحات الشبكة العنكبوتية ، وهي الأشد خطورة على سير الإصلاح الذي نراهن عليه في منظومتنا التربوية ، إنها حالة السواد الأعظم من الأساتذة الذين يفتقدون التبجيل الحقيقي من طرف المجتمع والإعلام فيربطون تدريجيا حبلا من اللامبالاة والتكاسل حول مسيرتهم المهنية ، هو ذاته الأستاذ الذي يعدم واجبه بحبل التغيبات ، وأخيرا هو نفسه الأستاذ الذي يشنق نفسه حتى ينهي مسلسل الإستنزاف الحقير الذي يعيشه بسبب مرض نفسي مرده الوضعية العامة التي يعيشها أصحاب الميدان . فهل سنقف للمعلم تبجيلا وتكريما فقط بشعارات منمقة تطلب الرحمة وتستجدي المغفرة أم الأجدر أن نقدم أكاليل الإهتمام والتكريم لكل أستاذ لازال يعيش بيننا ؟ سؤال سيفرض نفسه إذا إستمر هذا النزيف في حق رجل يستحق أكثر من وقفة تبجيل . . .