جميل جدا أن تبقى مصداقية الباكالوريا الرهان الأكبر بالنسبة لوزارة التربية الوطنية ببلادنا خلال هذه السنة ، من أجل ذلك اتخذت إجراءات وقرارات عدة. من باب الموضوعية كذلك لا من باب التزكية والمجاملة الاعتراف بأهمية القرارات المتخذة من قبل الوزارة الوصية بشأن استحقاقات الباكالوريا . لكن في المقابل يحق لنا التساؤل : هل هذه الإجراءات كافية وقادرة على تحقيق الأهداف المرسومة على المدى المتوسط والبعيد ؟ وماذا عن إشراك الفاعلين المباشرين في الميدان وعن توقيت إنزالها ؟ ثم إلى أي حد يمكن لهذه التجربة أن تؤسس لنظام تقويم تربوي شامل وفعال ؟.....
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول من خلال هذا المقال المتواضع تقديم بعض الإجابات التي قد تحمل الخطأ كما الصواب.
في إطار النقد الموضوعي والبناء ، لامناص من تقديم بعض الملاحظات بشأن القرارات المتخذة من قبل وزارة التربية الوطنية من أجل إنجاح هذه المحطة الوطنية والتي ترهن مصير مستقبل العديد من أبناءنا ، والتي بالمناسبة نتمنى من خلالها النجاح لكل التلميذات والتلاميذ في جميع أنحاء المملكة . في هذا المقال لن ندخل في تفاصيل الإجراءات التي أقدمت عليها الوزارة في هذا الصدد والمتضمنة في مختلف المذكرات والمقررات الوزارية ، بقدر ما سنعرج على بعض الجوانب التي لم تحض بعناية كبيرة. صحيح أن تعديل دفتر مساطر الامتحانات ، وما يحويه من إجراءات تخص دليل المترشح والمترشحة، زجر الغش ... إضافة إلى مسألة تغيير الأطر التربوية حسب مراكز الامتحان ، طريقة احتساب النقطة مابين الدورة العادية والاستدراكية ... إلخ. كلها إجراءات قادرة أن تساهم على المدى القريب على الأقل في تحقيق مرامي الوزارة بشأن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والحفاظ على شفافية ومصداقية الاختبارات ، لكن ثمة أمور أخرى عالقة تستوجب التمعن والحكمة لمعالجتها.
من ناحية، لابد للإجراءات المتخذة أن تتم في إطار شمولي يأخذ في الحسبان ظروف وآليات اجتياز الامتحانات من السلك الابتدائي حتى الثانوي . لا أقصد هنا غياب الإجراءات التنظيمية والتقنية، بل المراد هو ضرورة عمل الوزارة في اتجاه تصحيح بعض الإختلالات التي تعتري منظومتنا التربوية ، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : مشكل عتبة النجاح ، إعادة النظر في طريق تدبير البنية والخريطة المدرسية . دون أن ننسى معطى آخر نتحمل فيه نحن بعض الأساتذة مسؤولية كبيرة أما ضمائرنا أولا ثم أمام الله وأمام التاريخ ثانيا. معطى بالغ الأهمية و في غاية الخطورة وهي تساهل بعض الأساتذة في "الحراسة" تحت تأثير الخوف والتهديدات التي تلاحقهم خصوصا مع غياب الحماية القانونية الفعلية في غالب الأحيان، تورط البعض منهم تحت تأثيرات ذوي النفوذ كما حدث في مجموعة من الحالات في السنوات المنصرمة . بالإضافة إلى ذلك نجد بعض الأساتذة عديمي الضمير في السلك الابتدائي - دون تبرئة البعض الآخر في السلكين الإعدادي و الثانوي- يبتون سموم في نفسية الناشئة البريئة ، فيغرسون "قيم " الغش والمحاباة في نفسية الصغار بدعوى مساعدتهم على النجاح...!! ويجهلون أن المساعدة تكمن في العمل الجاد طيلة السنة ، والمصاحبة النفسية والدعم المجاني . هنا يطرح التساؤل : أليس من الممكن أن يصير الغش حق مكتسب بالنسبة لهؤلاء التلاميذ في المراحل الدراسية اللاحقة ؟ والى أي حد سيولد ذلك لدى المتعلمين ، بل لدى أسرهم ، نوع من العداء والحقد إزاء كل مدرس يقوم بواجبه في حراسة الامتحانات ؟ وهذا فيه انزلاق خطير للمجتمع وتحديدا عند الناشئة حيث تصير المفاهيم مقلوبة ، حينذاك نقع في أزمة قيم . تجد المتعلم يؤثث الصفحة الأولى من الدفتر بعبارات من قبيل " وقل ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري ..." أو " وقل ربي زدني علما ..." أو غيرها ، لكنه أثناء المراقبة المستمرة تكتشف أن صدره شرح لمختلف أساليب المكر والغش وبأحدث التقنيات أحيانا ... أليس في ذلك زعزعة لمنظومة القيم ؟
في إطار الحديث دائما عن الاختلالات ،لا يجب أن لا ننسى معضلة أخرى تنخر جسد المنظومة والمتمثلة في الساعات الإضافية. بكل تجرد وحياد ، فأنا ضد هذه الساعات الإضافية ومعها في آن واحد . ضدها عندما تكون وسيلة لابتزاز التلاميذ وأسرهم ، وحينما يكد ويجول الأستاذ ليلا ونهارا فيعود للقسم منهمكا فيقضي بما تبقى لديه من طاقة . لكن في المقابل لا سبيل للاعتراض عندما تكون غايتها المثلى دعم قدرات التلاميذ وتصحيح هفواتهم ، وعندما يكون المجهود المبذول خلالها متساويا لمثيله المبذول داخل القسم ؛ بل يصير الأمر إلزاميا أحيانا أخرى عندما يجد الأستاذ نفسه في بوثقة تضيق به سنة بعد أخرى، فيجد نفسه غير قادر على توفير سكن يحفظ له كرامته بأجرة محدودة وتحفيزات غائبة . عند هذا الحد تبدأ مسؤولية الوزارة والحكومة بوجه عام . فهل ما يقع فيه رجال ونساء التعليم من انزلا قات يتم بمحض إرادتهم ؟ أم أنه مكره أخوك لا بطل ؟ الجواب : الله والحكومة اعلم .
من ناحية أخرى ، كان من الضروري على الوزارة الموقرة إشراك حقيقي لمختلف الفاعلين والمتدخلين المباشرين من أساتذة وإداريين... في بلورة الإجراءات التي اتخذتها بشأن استحقاقات الباكالوريا ، للاستماع لآرائهم ومقترحاتهم بشأن منهجية المراقبة ، عملية التصحيح... وغيرها. في ذات السياق سننتظر فيما إذا كانت الوزارة ستأخذ بعين الاعتبار التوصيات والمقترحات المرفوعة للجهات المعنية برسم الموسم الدراسي المنصرم 2011/2012 فيما يخص عملية التصحيح .
أما بالنسبة لآفة الغش والتي يمكن اعتبارها النقطة التي أفاضت الكأس في قرارات الوزارة بشأن امتحانات الباكالوريا ، فمن باب الإيجاز نقول للسيد الوزير المحترم : عذرا سيد الوزير الغش لم يبدأ مع بداية الامتحانات ، بل مع بداية كل موسم . الأمر الذي يطرح أكثر من تساؤل حول توقيت إنزال المقترحات الخاصة بزجر الغش . في الوقت الذي من المفروض فيه وضع استراتيجية شاملة ومخطط لاستئصال الآفة من جذورها ، عبر تأسيس أندية بالمؤسسة لنفس الغرض ، مراجعة منظومة القيم في المناهج ، الاشتغال على تجارب نموذجية في بعض المؤسسات ، تسخير الإعلام وبشكل دوري لا موسمي ... إلخ.
أما عن إمكانية الانطلاق من تجربة هذه السنة واستثمارها في مايلي من السنوات لبلورة نظام تقويم تربوي فعال، فيستدعي منا جميعا ومن أصحاب القرار على وجه التحديد التحلي أولا بالإرادة القوية من أجل الإصلاح الجوهري، إشراك حقيقي لكل الفاعلين المباشرين كل من زاوية تخصصه ، الأخذ بعين الاعتبار مسألة إصلاح المناهج مستحضرين في ذلك التحولات في بنية المجتمع المغربي والتطورات التقنية السريعة التي يعيشها محيطنا الإقليمي والدولي ؛ فقد لا نشكل الاستثناء دائما كما نسمع كثيرا لدى سياسيينا لأن الإصلاحات تضل محدودة و التحديات متعددة.
ختاما، إذا كان المغرب- كما يردد دائما آل السياسة ببلادنا - يعيش مرحلة انتقال ديموقراطي ،فمن الممكن أن نؤسس لبداية انتقال حقيقي في السياسة التعليمة التي سئمت من كثرة الإصلاحات ، ونبدأ هذا الانتقال من نظام التقويم التربوي . فأملنا كل الأمل أن تبدأ مرحلة جديدة تؤسس لنظام تعليمي قادر على رفع كل التحديات المطروحة ، وإن كنا في الحقيقة قد أخلفنا الوعد مع التاريخ عندما عجزنا عن ترجمة المبادئ الأربعة كاملة ( التعميم ، التعريب ، المغربة والتوحيد ) المؤسسة لنظامنا التعليمي منذ الاستقلال . فهل سيأتي يوم نعيش فيه هذه اللحظة التاريخية في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها بلادنا ، أم سننتظر إلى أجل غير مسمى ؟
بقلم ذ. حسن حافظي
أستاذ الثانوي التاهيلي
بتاريخ :10/06/2013