في إطار تحليل وضع قطاع التعليم المغربي وخاصة بعد الخطاب الملكي لثورة الملك والشعب ل20 غشت 2013، واستشرافا لمستقبل هذا القطاع الحيوي الذي يعتبر ركيزة لتقدم الشعوب وازدهارها، يسرنا في موقع تربويات أن نجري هذا الحوار مع ضيفنا الكريم ، الذي هو الأستاذ رشيد جرموني ،
س1: فمن هو الأستاذ رشيد جرموني؟؟....
بداية أود أن أعبر لكم عن سروري البالغ بهذه الاستضافة على موقع تربويات، والذي يشكل موقعا له مكانة داخل المغرب وخارجه، لما يقوم به من خدمات للشغيلة التعليمية وللقضية التربوية ككل.
أما عن شخصي، فأنا حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، باحث في سوسيولوجيا التربية، عضو مجلة "عالم التربية" (المجلة المغربية التي تعنى بقضايا التربية والتعليم)، باحث سابق بالمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة (المغرب)، وباحث سابق بمركز نماء للبحوث والدراسات (بالمملكة العربية السعودية). نشرت العديد من الدراسات والأبحاث حول التربية والتعليم ببلادنا وبالوطن العربي، وحاضرت وأطرت العديد من الفعاليات الوطنية والعربية في هذه القضية.
س2: أستاذي الكريم أشار الخطاب الملكي الأخير 20 غشت 2013 إلى مجموعة من الإختلالات والإخفاقات في قطاع التربية والتكوين، فماهي في نظركم أهم هاته الإختلالات والإخفاقات وماهي تداعياتها على المنظومة التربوية ؟؟؟
س3: من المسؤول في رأيكم عن هذه الاختلالات؟ وأي إجراءات من المنتظر أن تتخذ من بعد الخطاب الملكي بعد فشل أزيد من أربعين مشروعا لإصلاح منظومة التربية والتكوين؟ ومن أين سيبدأ الإصلاح في نظركم؟؟
فيما يخص سؤالكم الثاني، عن فحوى الخطاب الملكي حول التعليم، أولا لا بد من تسجيل أمر هام، وهو أن هذه ليس بالخطاب الأول الذي يوجه نقدا للسياسات التعليمية، فالمتتبع للخطب الملكية، يكتشف أنه (الملك) سبق وأن عبر عن امتعاضه من المسار الإصلاحي، خصوصا في أوجه تنزيل البرنامج الإستعجالي، وبالضبط في سنة 2010، عندما قال بالحرف: " إن النظام التعليمي الذي طالما واجه عراقيل ديماغوجية، حالت دون تفعيل الإصلاحات البناءة، سيطل يستنزف طاقات الدولة، ومواهب الفئات الشعبية، في أنماط عقيمة من التعليم تنذر بجعل رصيدنا البشري عائقا للتنمية، بدل أن يكون قاطرة لها" (من خطاب العرش لسنة 2010). بمعنى آخر، أن الفاعل الرسمي، كان طوال السنوات الأخيرة يتتبع الملف التعليمي، ويوجه الملاحظات والانتقادات والتوجيهات للحكومة. لكن ما هو جديد في هذا الخطاب، هو أن الخطاب، ركز على القضية التعليمية لوحدها، وتحدث بلغة قريبة من هموم المواطن العادي، عندما استشهد بتجربته الخاصة، وبكونه أبا. ومن جهة ثانية، عبر الخطاب عن قلقه الشديد من منهجية تدبير الملف التعليمي، من طرف الوصي على القطاع، حيث أنه لم يستثمر ايجابيات وتراكمات الحكومة السابقة، وذلك عندما قرر الوزير "الوفا" أن يوقف البرنامج الاستعجالي، ولم يطرح بديلا عن ذلك. وفي هذا الصدد، اعتبر الخطاب الملكي، أنه "ليس من المعقول أن تأتي كل حكومة ببرنامجها الخاص، وتلغي البرامج السابقة، خصوصا في قطاعات استراتيجية كالتعليم، الذي يستغرق وقتا طويلا لتنفيذه". هذه النبرة جديدة ولم نعهدها في الخطب الملكية، لأن الحاصل هو أن السياسات العمومية في كل القطاعات،لا تعمل بفلسفة التراكم، وترصيد النتائج والبناء عليها. وإذا ما توقفنا عند القطاع التعليمي، فإننا نلاحظ أنه رغم تعاقب أكثر من 40 وزير منذ الاستقلال إلى الآن، لم يكن هناك ترصيد للنتائج، بل كلما "أتى وزير إلا ولعن أخاه"، ومسح الطاولة وبدأ من الصفر. هذه هي الحقيقة المرة التي تغيب عن الكثير من المتتبعين. لكن لماذا وجه الخطاب الملكي هذا النقد القاسي للحكومة؟ هل هناك إرادة لإظهار أن الحكومة الحزبية والمنتخبة ديمقراطيا، أنها غير قادرة على تدبير الشأن العام؟ وأن التكنوقراط أحق بهذه الملفات الإستراتيجية؟ أم أن الأمر يتعلق بأزمة حقيقية وصلها التعليم ببلادنا، وأن الملك تحمل مسؤولية مكاشفة الرأي العام، في خطاب ذو دلالات تاريخية عميقة؟
فيما يخص الفرضية الأولى، وهي أن الحكومة الحزبية لا تستطيع تدبير الشأن التعليمي، فهذه الفرضية تبقى واردة، خصوصا وأن الخطاب ربط بين المعضلة التعليمية، والمزايدات السياسوية، ودعا لتجنيب الملف التعليمي، كل تقاطب ممكن. وهذا ربما يفهم منه أن تحمل حقيبة وزارة التعليم، (نظرا لخصوصيته وموقعه لا كما ولا كيفا)، فإن تحقيق أي نجاح سيزكي من مصداقية الحزب الذي تحمل المسؤولية، ومن جهة أخرى، فإن أي فشل يمكن أن يكون بسبب المقاومات التي يحدثها التقاطب بين الأحزاب ونقاباتهم مما يضيع على المغرب فرصة الإصلاح.
أما فيما يخص الفرضية الثانية، وهي أن الملك تحمل مسؤوليته وكاشف الرأي العام بحقيقة الوضع المتدهور للتعليم، فيمكن القول، أن القطاع يشهد تدهورا منذ سنوات بل منذ عقود، ولعل ما وقع في العقد الأخير، عندما تم البدء في تنزيل مقتضيات الميثاق، (رغم أنه على مستوى الخطابات المعلنة، فإن العقد الأخير شكل أولوية وطنية للتعليم بعد قضية الصحراء)، وهذا يدل على أن الفاعلين سواء رسميين أو حزبيين أو نقابيين أو مجتمع، يتحملون مسؤولية الفشل في الملف التعليمي، وأنه لا يمكن بجرة قلم تحميل الحكومة الحالية، ما آلت إليه وضعية التعليم. فالمسألة مركبة وتعود لعقود ولأسباب جد متداخلة ومعقدة، يدخل فيها ما هو سياسي بالدرجة الأولى، والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولكل هذه الاعتبارات فنحن نتساءل عن السياق الذي ورد فيه هذا الخطاب، وباللغة التي تحدث بها، فإذا كانت الأزمة بنيوية وممتدة عبر عقود، فلماذا لم يتم التعبير عن ذلك قبلا؟ ولماذا لم يتم تنبيه الحكومات المتعاقبة للأزمة البنيوية للتعليم، والدعوة إلى أن يتحمل كل طرف مسؤوليته في ذلك؟
هذه الأسئلة وغيرها، تبقى مشروعة، وتحتاج إلى تنقيب أكبر، لفهم خلفيات الخطاب. لكن المؤكد،أن هذا الخطاب، ركز في تشخيصه على ثلاثة أعطاب جوهرية: وهي مسألة المناهج، وتدريس واللغة ولغات التدريس، والتعليم الأولي. وهذه الملفات كانت قد بذلت فيها مجهودات في عهد الوزيرة "العابدة" لكن تم توقيف أو تعطيل ملف المناهج بسبب إلغاء بيداغوجيا الإدماج، وبالتالي لم يكن ممكننا الاستمرار في تأليف مقررات جديدة في ظل التعطيل الذي أصاب المنهاج ككل. وبالنسبة للتعليم الأولي، نذكر أن وقع فيه تأخر كبير تتحمله حتى الحكومة السابقة، لكن حكومة السيد عبد الاله بن كيران، وخصوصا قطاع التربية والتعليم، لم تباشر العمل الجديد في النهوض بهذه الورش، مع ما يستحقه من عناية وصبر وجهد وتعاون كل المتدخلين، وخصوصا الجماعات المحلية، والمجتمع المدني. لكن يبدو أن أكثر ما تتحمله الوزارة الوصية، هو عدم إسراعها في إخراج منهاج تربوي للتعليم الأولي، يكون متوافقا مع روح الميثاق ومع المبادئ المؤطرة للإصلاح.
أما ثالث ملاحظة وجهها الخطاب الملكي للحكومة، وهي توقيف مؤسسات التميز، وقد كان مستغربا أن يتم إلغاؤها، بسب قرار الوزير "محمد الوفا"، رغم أنها مقررة في الميثاق، وقد تأخرنا في إخراجها، وهي على كل حال، تبقى مؤسسات قليلة، ولا تستجيب للطلب عليها من طرف النخبة المجدة والذكية من التلاميذ والتلميذات، اللواتي يجدن صعوبات كبيرة في المؤسسات العادية، والتي تعمل على إعاقة تطورهم بالسرعة المطلوبة. وهنا نفتح قوسا لنؤكد، أنه إذا كانت هناك تجاوزات تقع في تنفيذ بعض القرارات والمقتضيات، ومنها مؤسسات التميز، فإن ذلك لا يعني أن نلغي الأفكار الجميلة والذكية والإبداعية، بل علينا أن نعالج مكامن الخلل.
أما فيما يخص الإشكالية اللغوية، فهي تعد أم الإشكاليات في منظومتنا التربوية، نظرا لأن الاختيار اللغوي الذي انتهجناه في المنظومة، بدأ يظهر مجموعة من الأعطاب، من ذلك، التأخر الكبير في مستوى تعلمات خريجي المدرسة المغربية، ولعل المؤشرات والمعطيات التي تكشف عنها بعض التقارير الوطنية او الدولية تبين هذه الخلل. فعلى سبيل المثال، التلميذ المغربي، يدرس 5000 ساعة في اللغة العربية، لكن عندما يطلب منه قراءة وفهم نص بسيط يجد صعوبات كبيرة، والأمر أدهى وأمر في اللغات الأجنبية، كالفرنسية والإنجليزية، رغم أن نظامنا التعليمي، يؤمن أزيد من 30% من التعلمات الخاصة بتدريس اللغة. وهذا ما يستحثنا لإعادة النظر في طرق ومنهجيات تدريس اللغات، وتكوين المدرسين وتوفير الأجواء المناسبة لتعليم اللغة، وكذا التفكير في إعادة النظر في التعددية اللغوية التي تيمز نظامنا التعليمي برمته.
لكن ما يسترعي الانتباه في الخطاب الملكي، هو حديثه عن الازدواجية التي يتخبط فيها القطاع، حيث كما يعلم الجميع، أن التعليم العالي، في التخصصات التقنية والطبية لا زال يدرس باللغة الفرنسية، بينما التعليم الثانوي، "معرب" مما يخلق انفصامات بل شروخات لغوية خطيرة على مستوى تدرج الطالب في توسيع مداركه وخبرته وكفاءته اللغوية في المستويات العليا من التعليم. وأعتقد أن الأمر لا ينبغي أن يعالج بالرجوع إلى الطريقة الاستعمارية أو ما بعد الاستعمار بتدريس العلوم باللغة الفرنسية، (صدرت مؤخرا مذكرة تتجه نحو تجريب هذه الاقتراح، في أفق تعميمه)، بل الأمر يقتضي بذل مجهود استثنائي في تعريب كل المواد حتى في التعليم العالي، وذلك برصد مواد مالية ولوجستيكية لكي نباشر هذا الورش، ولنا في تجارب الدول التي حققت تقدما في نواتجها التعليمية خير دليل، فهذه روسيا، التي بوأتها نتائج "PIRLS" وTIMSS" لسنة 2011، نتائج معتبرة لا في العلوم ولا في القراءة، رغم أنها قامت في سنوات ماضية بتدريس كل المواد بلغتها الأصلية. تظهر كيف يمكن الاعتماد على اللغة الوطنية لتحقيق التنمية. وهنا عشرات الأمثلة التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال. والفكرة التي يمكن أن نثيرها في هذا الصدد، أنه واهم من يعتقد أن التنمية والتقدم والتحضر يكون بالاعتماد على لغة المستعمر. إذ "لا ثقافة بغير هوية حضارية. ولا هوية بغير إنتاج فكري. ولا فكر بغير مؤسسات علمية متينة، ولا علم بغير حرية معرفية، ولا تواصل، ولا تأثير إلا بلغة قويمة تضرب جذورها في التاريخ، وتشارف بشموخ حاجة العصر وضرورات المستقبل. إنها تقاطعات بالغة التداخل بين الشأن اللغوي والشأن المعرفي والشأن الاقتصادي، ولا جامع لها كلها إلا مؤسسة صناعة القرار"
بقي أن نشير إلى أن الخطاب الملكي تضمن مسألة ربط التعليم بسوق الشغل، هي مسألة تبدو وجيهة، وقد توقف عندها الخطاب، نظرا لأن المنظومة لا تؤهل الكوادر المطابقة لسوق الشغل، وتستمر في استنزاف ثرواتنا المادية والبشرية، بدون تحقيق عائد لمصلحة المجتمع. ولهذا نعتبر أن الخطاب يفتح مجالا للتداول في مسألة "أي تربية لأي اقتصاد؟ ووفق أية غايات؟ ثم ما هي الاستراتيجيات المستقبلية التي يمكن التفكير فيه مستقبلا لإعداد الكوادر المقتدرة لمجتمع الغد؟
لقد أجبت عن السؤال الثالث، في ثنايا تحيليلي للخطاب الملكي.
س4: بعد طول انتظار كشفت الوزارة الوصية على قطاع التربية الوطنية في الأسابيع الأخيرة عن برنامج العمل متوسط المدى 2013/2016 لتنزيل البرنامج الحكومي ،فبماذا تميز عن البرنامج الإستعجالي 2009/2012، رغم أن برنامج العمل المذكور يبدو كما أكد ،مجموعة من الباحثين التربويين، لم يجب عن الهواجس الكبرى لبرنامج الحكومة الحالية خاصة استقلالية المؤسسات التعليمية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟؟؟؟
هذا السؤال، يمكن تأطيره في سياق العودة للبرنامج الحكومي الذي صادق عليه البرلمان المغربي، وبعد ذلك، يمكن تقديم ملاحظات على برنامج العمل المتوسط المدى لوزارة التربية والتعليم.
فبالرجوع إلى البرنامج الحكومي، نجده يتضمن ستة مبادئ جوهرية، أولا التشديد على مسألة حكامة القطاع، وثانيا الاهتمام بالأطر التربوية، وثالثا إعادة الثقة للمدرسة العمومية، ورابعا التفعيل الأمثل للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمين، وخامسا تفعيل اللامركزية، وسادسا ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإطلاق مدرسة التميز.
الخطوط العريضة لهذا البرنامج، يمكن اعتبارها تجيب عن بعض الأعطاب الحقيقية للمعضلة التربوية، ولو في حدودها الدنيا، لكن عملية التفاعل مع البرنامج الحكومي، جاءت سلبية بكل المقاييس، فأولا تم التأخر في إخراج البرنامج الوزاري القطاعي، وتم استنساخ توجهات البرنامج الاستعجالي بشكل رديء، حيث تم تقليص عدد المشاريع من 26 إلى 15 بدون رؤية إبداعية مجددة وتم الرفع من عدد المجالات من أربع مجالات التي كانت في البرنامج الاستعجالي ( التعميم، الحكامة، الموارد البشرية، البيداغوجي)، إلى خمسة مجالات:( العرض المدرسي، جودة التعليم، المؤسسة التعليمية، البيداغوجي، الموارد البشرية). وليس المشكل في أربعة مجالات، أو خمسة أو ستة، بل الإشكال في منهجية التنزيل، فالوزير الحالي (محمد الوفا) عمل على مركزة كل القرارات، وأفقد المؤسسات بعضا من استقلاليتها، ومن ثم رجع بنا إلى عهود الستينيات والسبعينيات، فكيف يمكن تحقيق النجاعة والفعالية المطلوبتين في حقل شديد التعقيد والتركيب؟ وما يسجل على قرارات الوزارة الحالية، هو الظرفية والمناسباتية والإثارة الإعلامية، وهذا يظهر في مجموعة من القرارات، كمنع أطر التدريس والتفتيش التربوي من العمل في القطاع الخصوصي، لكنه لم يكن في نهاية المطاف سوى دغدغة للعواطف وجلب اهتمام الرأي العام، بينما واقع الحال، هو استمرار دار لقمان على حالها. وبالمقابل لم تقم الوزارة بأية استراتيجيات مهمة وذات بال، في إطار الإشراك الحقيقي لكل المتدخلين، من أطر وخبراء وفاعلين اجتماعين واقتصاديين. وهنا نستحضر قولة بليغة للماتمها غاندي، والتي يقول فيها: " أي قرار تتخذه في صالحي، ولكنه في غيابي، فهو في غير مصلحتي" هذه المقولة تبين أن التنزيل الأمثل لمشاريع الإصلاح، يقتضي انخراط الجميع فيه، وهذا ما ورد في وثيقة الدستور، عندما تحدث عن مفهوم "الديمقراطية التشاركية". لكن يظهر من خلال تصرفات السيد الوزير، أنه لا يلقي بالا لكل هذه المواثيق والدساتير والفلسفات، فهو رجل يريد أن يحكم قطاع التربية والتكوين، بقبضة من حديد. وهذا من بين مؤشرات الإفلاس الحقيقي للمنظومة ككل.
طبعا هناك بعض القرارات، التي يظهر أنها كانت جريئة، كالإعلان عن أسماء المحتلين للسكن الوظيفي، والاقتطاع من أجور المضربين، والحملة الأمنية المصاحبة للامتحانات الباكالوريا، وهي قرارات يمكن أن تكون مفيدة، ولها آثار على المنظومة، لكنها لا تستقيم لوحدها، إلا إذا استحضرنا بقية المداخل والمكونات، حتى يكون عملنا غير اختزالي ويحقق نجاعة قوية للمنظومة. فما يقضي على المنظومة هو النظرة التجزيئية والاختزالية لقضاياه. ونقول هذا الكلام، لأن الملفات الحرجة والمقلقة، لم يباشرها السيد الوزير بنفس القوة والحزم، فمثلا قضية المنهاج التعليمية، أو اللغة أو الاختيار البيداغوجي، والتكوين، والتفعيل الأمثل للاستقلالية المؤسسات التعليمية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك هيئة المفتشين في عملية الإصلاح، ومراقبة المناهج الدراسية الأجنبية وخصوصا الفرنسية في المؤسسات التعليمية الحرة، وغيرها من القضايا، والتي كانت ستشكل مداخل حقيقية للإصلاح، و التي يمكن أن تثمر نتائج على مردودية القطاع لا الخارجية ولا الداخلية. لكن شيئا من ذلك لم يقع، وبالتالي بقينا ندور في حلقة مفرغة، وهذا أخطر ما يمكن أن يعانيه قطاع من القطاعات.
س5: - السؤال الأخير أستاذي الفاضل بصفتك أستاذ باحث ،ماهي في نظركم خريطة الطريق المثلى والناجحة لحل معضلة التعليم ببلادنا سواء في المدرسة العمومية أو الجامعة المغربية؟؟؟
سؤالكم هذا متعلق ببعض الاقتراحات والتوجهات والقضايا التي نعتقد أنها تشكل مداخل للتحاور والنقاش العمومي والعام، من أجل النهوض بالقطاع التربوي ببلادنا.
وفي هذا الصدد نقترح خمسة مداخل، لا ندعي لها الكمال أو الاكتمال أو السبق أو التزيد على أحد أو على طرف دون آخر، بقدر ما هي مساهمة متواضعة تتجاسر وتتفاعل، مع مجموع الاقتراحات التي تتفاعل في الآونة الأخيرة:
1) المدخل القيمي الفكري الفلسفي والمرجعي:
نقصد به الفلسفة الفكرية المؤطرة والموجهة للمنظومة التربوية، والتي تتضمن المرجعية الناظمة للجواب من نحن؟ وما ذا نريد؟ وما هو شكل المواطن الذي نسعى لتربيته؟ ووفق أية محددات وأية رؤى؟ وما هي القيم التي على المدرسة أن تنقلها للأجيال المتعاقبة؟ وفي ظل أية مستجدات ومواقع؟ وذلك وفق مقولة: أية تربية لأي مواطن؟ وهذا المدخل يتعزز في ضوء مستجدات الدستور الجديد، الذي يعتبر مشروعا مجتمعيا متوافقا بشأنه، وفي ظل المستجدات والتحولات العميقة التي طالت منظوماتنا التعليمية والتربوية والقيمية والسوسيوتارخية، والتي تؤكد أن جزء مما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وجب أن يتم مساءلته في ضوء هذه المستجدات.
2) المدخل الاقتصادي السياسي:
بدون شك، تسعى كل الأنظمة التربوية أن تصل إلى مخرجات لتطوير بنيتها الاقتصادية في ظل التنافس الشديد بين الأمم، ولهذا نرى أن ربط التربية والتكوين بالاقتصاد المنتج، ضرورة حيوية، وفق مقولة: أية تربية لأي اقتصاد؟ وهذا لن يتأتى إلا إذا انتهجنا مقاربة فيها استقلال كبير، فالحذر الحذر من قولبة المدرسة المغربية، لتكون مجرد وكيل لاقتصاد بلد أجنبي، وإعداد الكوادر التي تحقق له التطور، بينما يبقى المغرب يجتر ويستهلك منتوج الآخرين، علينا أن نفكر في نقلة نوعية، لتوطين المعرفة على غرار ما قامت به دول شرق آسيا تحديدا.
وهذا ما يتطلب منا التفكير الجماعي كفرقاء وكحكومة وكمجتمع على بلورة مشروع مجتمعي يلتحم فيه هذا الخليط، وذلك وفق مقاربة تشاركية ومسؤولة في تدبير المسألة، كالنظر في إشكالية تدبير الإنفاق المالي على القطاع، والمجانية، ومساهمة المنتخبين المحليين والجهويين في القيام بمسؤوليات التي يمكن أن يقررها القانون، في ظل الجهوية الموسعة، وذلك في أفق تخفيف الثقل على الحكومات، وعلى القطاع الوصي لتنكب في التفكير فقط في القضايا التربوية والبيداغوجية والمعرفية. ولعل ذلك ما يشكل ورشا حقيقيا للاشتغال وفق رؤية منسجمة ومعقلنة وواضحة المعالم والآفاق.
3) المدخل البيداغوجي:
مثل السؤال البيداغوجي أهم سؤال وجب التفكير فيه و ايلاؤه الأهمية التي يستحقها، ذلك أنه سؤال الأسئلة، فالمناهج الدراسية وطرق التدريس والتقييم والدعم والمقاربات البيداغوجية، والعلاقات والتبادلات والمشكلات البيداغوجية وكل ما يرتبط بهذا الحقل، يشكل محطة لتجاوز كل تعاطي اختزالي ومبتسر لمختلف هذه المكونات. وانطلاقا من ذلك نؤكد أن التعامل الذي ساد في الماضي، كان ينصبغ بالنقل الحرفي لبعض النماذج البيداغوجية الجاهزة واستنباتها في الواقع المغربي ذي الخصوصيات المختلفة والمتمايزة عن بقية التجارب، ونعتقد أن هذا الورش يجب أن يتصدى له الخبراء والباحثون المغاربة لما يتوفرون عليه من قدرات ومقدرات، يمكن أن تساهم بدورها في بلورة أنموذج تربوي مغربي أصيل، إذا ما توفرت لهم مختلف الشروط اللوجستيكية. وفي هذا الصدد نقترح أن يتم التفكير في تشكيل مركز للأبحاث « Think tank » يكون من مهماته إعداد الأبحاث والدراسات المقارنة، سواء بالمغرب أو على الصعيد الإقليمي أو الدولي، ويكون من أهدافه تجديد وتطوير العدة البيداغوجية، لتكون في خدمة العمليات التربوية والتكوينية والمعرفية بصفة عامة.
4 ) المدخل التنظيمي الإداري:
ليس هناك من حقل يعج بالمشكلات بل المعضلات التنظيمة مثل الحقل التعليمي، ذلك أنه بالرغم من التطور الحاصل في صياغة القوانين الأساسية لموظفي التربية والتكوين، لكن المستجدات التي تتسارع في كل يوم وحين، والتحولات التي تطرأ في هذا الحقل كما في باقي الحقول الأخرى المحايثة له، تستلزم وضع هذا الورش في سلم أولويات الحكومة وكافة الفرقاء الاجتماعيين، من أجل الاجتهاد الجماعي في صياغة قوانين أكثر مرونة لتنظيم هذا الحقل والعمل على تجديدها باستمرار كلما ظهر أن الحاجة تستدعي ذلك، وعدم الإرتهان للمنطق السياسوي الضيق أو البيروقراطي المتقوقع أو الكسب الإنتخابي النفعي الخاص بالفاعل النقابي أو الحزبي، وذلك في أفق ترسيخ قيم العقلنة والشفافية والإستحقاقية والدمقرطة الحقيقية لهذه الأنظمة ولكافة التشريعات الخاصة بتديير الحقل التربوي من القوانين المؤطرة لتنظيم الإدارة التربوية أو القوانين المؤطرة للحكامة المالية، ومختلف الأساليب التي تعمل على تحقيق النجاعة الإدارية لتكون في خدمة المشروع التربوي وليس العكس.
وهذا الورش سيفتحنا أمام تحديات كثيرة، كالعقليات المتكلسة التي تريد التغيير بدون دفع ضريبته، وتمانع في كل تغيير إذا ما مس مصالحها المادية والرمزية وما إلى ذلك. ولهذا نعتقد أن الدور الذي يمكن أن يقوم به الفاعل النقابي جد مؤثر في هذا الورش، لا أن يكون من أول المعرقلين لمساراته.
5_المدخل الاجتماعي:
من بين المهام المطلوب التفكير فيها، هو إعادة رد الإعتبار للمؤسسة التربوية وللمدرسة وللجامعة بصفة عامة، وذلك ليس بالخطابات الشعاراتية أو بالمنطق ألمناسباتي، بل من خلال تملك المدرسة لدورها في الترقي الإجتماعي وبالحركية الاجتماعية بين الأجيال، وذلك بضمان تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن، والقضاء على ثقافة الريع والزبونية والمحسوبية والتسلق غير المستحق لمجموعة من الفئات والمجموعات والمناطق، وتتأتى هذه المهمة نظرا لكون المغرب دخل في مرحلة الانتقال الديمقراطي، بما يعنيه ذلك من تهيئة الأجواء لسيادة قيم العقل والعدل والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، والقطع مع تاريخ التسلط الدولتي، و المزاجية والانتماءات الحزبية والولائية والنقابية أو غيرها.
6-المدخل الثقافي القيمي:
بات من شبه المؤكد، أن التحولات القيمية الكبرى التي وقعت في جميع أنحاء المعمورة وفي المغرب، تفرض أن تستيعد مؤسسات التنشئة الإجتماعية، ومنها المدرسة والجامعة والمعاهد ومختلف مراكز التربية والتكوين والمعرفة، لدورها التثقيفي التنويري الهادف إلى الحفاظ على قيم المجتمع الأصيلة وتجديد القيم البالية وتنقية القيم الوافدة الضارة بالفرد والمجتمع، ومن بين هذه المهمات التي وجب أن نستحضرها في هذا الورش الحيوي والخطير، العمل على توطين قيم العلم والمعرفة و احترام الوقت والتجرد والمسؤولية والأمانة العلمية، بالإضافة إلى قيم النزاهة والإستقامة والموضوعية والحرية والاختلاف والديمقراطية .... وبشكل أكبر ترسيخ قيم السلوك المدني من نبذ للعنف ولمختلف السلوكيات المخالفة لقيم العلم، كتعاطي المخدرات أو التدخين أو الميوعة أو الانحلال الخلقي، فالمؤسسات التربوية وجب أن تكون الحارس الأمين لقيم الأمة ولضميرها الأخلاقي، فهي أم المؤسسات الإجتماعية، وبدون قيم موجهة ومؤطرة لهذه المؤسسات لن نحقق هذه الأهداف.
ختاما لم يتبق لنا سوى أن نشكركم أستاذنا الكريم على تفضلكم بالإجابة عن أسئلتنا هاته ، وحتى فرصة مقبلة بحول الله تعالى.
أجرى الحوار :
الحبيب الطلاب
من فريق وإدارة تربويات