سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة، قدر المستطاع وفي حدود الإمكان، استنادا إلى الواقع المدرسي والمهني والاجتماعي المعيش، واستنادا إلى تجارب مهنية ميدانية متراكمة لدى أطر التوجيه التربوي عبر حقب زمنية غير يسيرة، وذلك من خلال الأبواب والفقرات التالية:
I. مراحل التوجيه إلى التكوين المهني:
في اعتقادنا، عمليا وممارسة، فإن المسار الطبيعي لعملية التوجيه إلى التكوين المهني يقطع وجوبا المراحل الأساسية التالية:
• الإعلام المهني؛
• الترشيح والتعبير عن الاختيارات؛
• الاختبارات والانتقاء؛
• قرارات مجالس الأقسام والتوجيه؛
II. العمليات التربوية والإدارية المرتبطة بعملية التوجيه إلى التكوين المهني:
وتتجلى العمليات التربوية والإدارية المؤطرة لعملية التوجيه المهني في الإعلام المهني والتعبير عن الرغبة واختبارات الانتقاء وقرارات مجالس الأقسام والتوجيه:
1.1. عملية الإعلام المهني:
ويتم تنظيم عملية الإعلام المهني باعتماد الأنشطة التالية:
• تنظيم وتنشيط حصص إعلامية جماعية تركز على مختلف جوانب مجالات التكوين المهني من حيث مناولته كقطاع مندمج ضمن منظومة التربية والتكوين يشرف عليه مجموعة من القطاعات المكونة المنتمية لعدة مجالات اقتصادية وخدماتية، تعرض عدة تخصصات مهنية، وذلك بالتركيز على مميزات هذه التخصصات ومتطلباتها الجسمية والمعرفية والمؤسسات المهنية المحتضنة لها، ومدة التكوين والجوانب المعرفية والتطبيقية التي يرتكز عليها، والدبلومات المخولة، ومجالات الحياة العملية، وسوق الشغل، وفرص الاندماج، وسيرورة العمل والترقي الاجتماعي.
ويستعمل في هذا الإطار مجموعة من الدعائم الإعلامية، من ملصقات وكتيبات ومطويات مقتضبة. كما يمكن أن ينشط هذه الحصص الإعلامية ممثلو القطاعات المكونة المتمثلة عموما في: مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، الفلاحة، السياحة، الصيد البحري، الصناعة التقليدية، المقاومة وجيش التحرير، الشبيبة والرياضة، التجهيز، الطاقة والمعادن، المندوبية السامية للتخطيط، التعاون الوطني، الصحة، وذلك بتنسيق مع إطار التوجيه التربوي، وبالتركيز على خصوصيات كل قطاع مكون والمؤسسات المهنية التابعة له والتخصصات المهنية التي يوفرها لفائدة التلاميذ والشباب، وبانتهاج طرائق حسب الإمكانات المتاحة وخصوصيات الجهات، والمناطق من حيث التضاريس والثقافة الاجتماعية، وأنماط الحياة الاقتصادية والإنتاجية، وطبيعة ومتطلبات التكوين بالمؤسسة المهنية.
وتتنوع هذه الطرائق بين زيارات تواصلية ميدانية وأبواب مفتوحة ينشطها متخصصون، وقوافل متنقلة مجهزة بوسائل إعلامية؛
• تنظيم مقابلات فردية للراغبين في ذلك، مع التركيز على خصوصيات الفرد من حيث صحته الجسمية والنفسية وميولاته وتوجهاته واهتماماته ورغباته واستعداداته، وكذا التركيز على جوانبه المعرفية وقدراته العقلية ومردوديته المدرسية، ومدى التطابق الممكن حصوله بين خصوصية الفرد ومتطلبات التخصص أو التخصصات المهنية ذات التشابه. ويمكن في هذا الإطار اعتماد روائز واستمارات متخصصة تهدف الكشف عن خصوصيات الفرد ومدى استعداداته لمسايرة نوع التكوين المرغوب فيه ومدى قدرته على التحمل والإنتاج والتمكن من التخصص المرغوب فيه نظريا وتطبيقيا؛
2.1. تعبير التلاميذ عن رغباتهم:
وتمر عملية التعبير عن الرغبة من مرحلتين أساسيتين:
• تعبئة التلاميذ المتمدرسين وأولياء أمورهم بطاقة الرغبات العامة، التي يعبر فيها التلميذ الراغب في التكوين المهني في إحدى الرغبات بكتابة عبارة " التكوين المهني" باعتباره شعبة قائمة الذات وكسائر الشعب المدرسية المتاحة للتلاميذ بعتبات التوجيه المقررة ضمن الهيكلة التعليمية؛
• وكل تلميذ عبر عن رغبته في التوجيه إلى التكوين المهني بوضع عبارة " التكوين المهني" في إحدى الخانات على بطاقة الرغبات العامة، يعبئ وولي أمره بطاقة خاصة بالترشيح إلى التكوين المهني يعبر فيها عن التخصص المهني الذي يسترعي اهتمامه ويميل إليه، وإذا كان يرغب في أكثر من تخصص مهني عليه أن يرتب اختياراته حسب الأفضلية لديه، ويعبئ بطاقة الترشيح إلى التكوين المهني عن كل تخصص مرغوب فيه مع تحديد القطاع المكون والمؤسسة المهنية ورتبة هذا التخصص المهني؛
3.1. تصنيف الترشيحات وتوقيعها:
وبعد تعبئة التلميذ العدد المطلوب من بطاقات الترشيح إلى التكوين المهني حسب عدد الاختيارات المهنية المرغوب فيها، وتوقيعها من طرفه وولي أمره، يسلمها إلى الحراسة العامة أو إدارة المؤسسة التعليمية التي تتولى تصنيفها حسب القطاع المكون والمؤسسة المهنية المستقبلة، ثم يتم عرضها على كل من مدير المؤسسة لتوقيعها ووضع خاتمه، وكذا إطار التوجيه التربوي لوضع رأيه وختمها وتوقيعها؛
4.1. لوائح التلاميذ المترشحين:
بعد ذلك يتم إنجاز لوائح التلاميذ المترشحين إلى التخصصات المهنية حسب كل قطاع مكون وكل مؤسسة مهنية مستقبلة بتحديد اسم ونسب المترشح، والتخصصات المهنية التي يرغب فيها وفق الترتيب المحدد على بطاقة الترشيح إلى التكوين المهني.
وتعتبر كل من هذه اللوائح الموقعة من طرف مدير المؤسسة التعليمية بمثابة ورقة إرسال من المؤسسة التعليمية إلى المؤسسة المهنية مرورا بالنيابة الإقليمية لقطاع التربية الوطنية؛
5.1.استدعاء المترشحين لاجتياز اختبارات الانتقاء:
وقبل ما يناهز الأسبوع يتم إخبار التلاميذ المترشحين إلى التكوين المهني عبر مؤسساتهم التعليمية لاجتياز اختبارات الانتقاء لولوج التخصصات المرغوب فيها.
6.1. دور اختبارات الانتقاء:
وتمكن هذه الاختبارات من التعرف، إلى حد ما، على المستوى المعرفي للمترشح وتوجهاته وميولاته، كما تمكن من ترتيب المترشحين حسب نتائجهم التي تحدد درجة استحقاقاتهم، وبالتالي إصدار قرارات القبول بشكل رسمي أو القبول بلائحة الانتظار أو عدم القبول، وذلك تماشيا مع الطاقة الاستيعابية لكل مؤسسة مهنية؛
7.1. إخبار المؤسسات التعليمية بنتائج المترشحين:
وبعد تدوين القطاعات المكونة القرارات المشار إليها أعلاه على كل بطاقة ترشيح إلى التكوين المهني لكل مترشح، وعلى لوائح المترشحين المصاحبة لهذه البطاقات، يتم إرسال هذه اللوائح وبطاقات الترشيح الخاصة بالمترشحين لولوج إحدى التخصصات المهنية، إلى المؤسسات التعليمية عبر النيابة الإقليمية لقطاع التربية الوطنية؛
8.1. قرارات مجالس الأقسام والتوجيه:
كل تلميذ اجتاز بنجاح اختبارات التوجيه إلى التكوين المهني، تتم بشأنه المداولات وتتخذ في حقه القرارات التالية:
• حالة الحصول على عتبة الانتقال إلى المستوى الموالي:
2. قصور الدعائم الإعلامية:
يبدو جليا أن اعتماد الدعائم الإعلامية على ملصقات ومطويات ولائحة التخصصات المهنية غير كاف، في غياب بطاقات تقنية عن كل تخصص مهني يتناول بوضوح وبتفصيل: اسم المؤسسة المهنية وخصوصياتها، واسم الشعبة المهنية ومتطلباتها وخصوصياتها من حيث المجزوءات المقررة والتلقين النظري والعمل المحرفي ونظام التقويم والامتحانات والتداريب الميدانية ومدة التكوين ودبلوم التخرج ومجالات العمل وفرص الاندماج.
3. تعدد العمليات وتشعب التراسل الإداري:
في ظل انشغالات الأطر المشرفة على سير العمليات الإدارية والتربوية، تبدو العمليات المؤطرة للتوجيه إلى التكوين المهني ضاغطة وكثيرة، وتتطلب وقتا إضافيا لا يستهان به، وتتجلى هذه العمليات في:
التحسيس والتعبئة حول التكوين المهني، الإعلام المهني، إعداد بطاقات الترشيح إلى التكوين المهني، الترشيح والتعبير عن الرغبة، تصنيف بطاقات الترشيح حسب القطاع المكون والمؤسسة المهنية، إنجاز لوائح المترشحين حسب مستوى التكوين والقطاع المكون والمؤسسة المهنية، مراسلة القطاعات المكونة عبر النيابة الإقليمية لقطاع التربية الوطنية، استقبال نتائج التلاميذ المشاركين في مباريات ولوج المؤسسات المهنية، نقل هذه النتائج على مختلف الوثائق المعتمدة في مجالس الأقسام والتوجيه، كتابة قرارات مجالس الأقسام والتوجيه على لوائح المترشحين، إرسال هذه اللوائح إلى القطاعات المكونة عبر النيابة الإقليمية لقطاع التربية الوطنية من أجل الإخبار بالقرارات النهائية، إرسال طلبات إعادة التوجيه إلى النيابة الإقليمية لقطاع التربية الوطنية،، استقبال نتائج عملية إعادة التوجيه، إخبار التلاميذ المعنيين، حذف أسماء المغادرين وتسجيل أو إعادة تسجيل الوافدين.
4. التباس بعض قرارات التوجيه إلى التكوين المهني:
5. أحادية اتجاه إعادة التوجيه:
في اعتقادنا، أن الاتجاه الأحادي لإعادة التوجيه من التكوين المهني إلى التعليم المدرسي يكرس الصور النمطية والتصورات الخاطئة حول التكوين المهني لدى التلاميذ وأولياء أمورهم، كما يكرس النظرة التبخيسية والاحتقارية لقطاع التكوين المهني السائدة ثقافيا واجتماعيا، حيث من المرجح أن يهرع جميع التلاميذ الناجحين الحاصلين على عتبة الانتقال إلى المستوى التعليمي الموالي أو أغلبهم، إلى طلب إعادة التوجيه، فتلبى رغباتهم ويتوجهون إلى الشعب المدرسية التي يرغبون فيها، ويجد التلاميذ المفصولون وبعض المكررين أنفسهم وحدهم في المؤسسات المهنية، وبالتالي تكون جميع العمليات والإجراءات التي تم القيام بها، وتطلبت جهدا ماديا ومعنويا، قد أفرغت من محتواها، وعاد التكوين المهني إلى ما كان عليه، ولن يتم تحقيق الأهداف المسطرة والمرجوة من وراء قطاع التكوين المهني.
6. المنح والخدمات الاجتماعية:
"كل تلميذ موجه ومنقول، ممنوح"، هل يتم تطبيق هذه القاعدة في قطاع التكوين المهني على غرار ما معمول به في قطاع التربية الوطنية؟ إذا كان الجواب بالنفي، فجميع تلاميذ القرى النائية والمدن غير المغطاة بالمؤسسات المهنية، يرفضون وأولياء أمورهم متابعة التكوين المهني بعيدا عن أسرهم ومحرومين من عدة خدمات اجتماعية: الإيواء والمأكل والمشرب والنظافة والرعاية التربوية.
IV. أفق التطوير والارتقاء بالتكوين المهني:
1. حيث التكوين المهني يجمع في ذات الآن بين التعليم النظري والتكويني، من أجل إعداد اليد العاملة المتخصصة والمؤهلة للعمل في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ويرتبط بأقطاب التعليم العام والتقني، فإن تسميته، في اعتقادنا، بالتعليم المهني قد يبوئه مكانة مرموقة تربويا وثقافيا واجتماعيا، تسهم في محو الصور النمطية المشكلة حوله، خصوصا عندما يصبح التلاميذ يستفيدون من خدماته مندمجا بمؤسسات التربية والتعليم نظريا وتطبيقيا بنفس الأسلاك التعليمية، ونفس المدد الزمنية، ونفس الفترات والسنوات الدراسية، يتوج بحصول التلاميذ على دبلوم التعليم المهني حسب المستويات التعليمية والمهنية، وحسب الأسلاك الدراسية الثانوية والجامعية، ويمنحهم فرص الاندماج في الحياة العملية، وإمكانية العود إلى قطبي التعليم العام والتقني لمتابعة الدراسة، حسب التوجهات والتخصصات المرغوب فيها، وفق تنظيم يخضع للتنقل عبر ممرات بين التربية والتعليم والتكوين، كما يخضع للتناوب بين النظام التعليمي المهني بالمؤسسة التعليمية والتداريب الميدانية بالمقاولات والمعامل الصناعية والضيعات الفلاحية وغيرها حسب التخصصات المهنية الجاري فيها التعليم المهني.
2. إحداث نظام مطابقة الدبلومات، بالتعليم الثانوي الإعدادي، بين دبلوم التعليم العام الإعدادي ودبلوم التعليم المهني الإعدادي، وبالتعليم الثانوي التأهيلي، بين شهادة البكالوريا والبكالوريا المهنية، حسب التخصصات المدرسية والمهنية، مع اعتماد نفس المطابقات المناسبة بأسلاك التعليم الجامعي، وذلك، عموما، عبر المستويات التعليمية والمهنية، وعلى امتداد الحياة المدرسية والتكوينية للتلميذ والطالب، مع تطبيق نظام الممرات والتنقل من التخصصات التعليمية إلى التخصصات المهنية والعكس، لفائدة التلاميذ والطلبة الراغبين في ذلك، والمتوافرة فيهم شروط التحصيل الدراسي والتعليم المهني؛
3. توحيد القطاعات المكونة تحت مظلة جهاز إداري محدد، يشرف على قطاع التعليم المهني؛
4. تخصيص المتكونين في مستويي التقني والتقني المتخصص منح التعليم المهني، واستفادة متكوني مستويي التخصص والتأهيل المنقولين من خدمات الإطعام والمبيت بداخليات أو بدور الطلبة؛
5. إدماج المتكونين المؤهلين مهنيا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والخدماتي، لضخ دماء جديدة في شريان التنمية البشرية والنمو الاقتصادي، عن طريق توظيف خبراتهم وتكويناتهم التي نالوها، وتشجيعهم على الإنتاج والعطاء وتحفيز التلاميذ والطلبة على الإقبال على امتلاك مهنة تضمن التحاقهم بالحياة العملية والمساهمة في رقي وازدهار المجتمع.