بمناسبة قرب انطلاق الموسم الدراسي و التكويني، ارتأيت أن أثير الانتباه و أسلط الضوء على بعض جوانب محطة مهمة مرتبطة بالاختيارات في التوجيه و المسماة ب"عمليات تغيير التوجيه "، و التي تنطلق عادة مع انطلاق كل موسم دراسي و تهم عددا مهما ممن يرغبون تغيير الشعبة أو المسلك الذي سبق لهم أن وجهوا إليه بموجب قرارات مجالس التوجيه المتخذة لصالحهم عند نهاية السنة الدراسية الفائتة، من تلاميذ الثانوي التأهيلي .
فعكس ما يعتقده عامة الناس حول هذه المحطة، إذ يضنون أنها مجرد مجموعة من العمليات تلجأ إليها الإدارة التربوية لتُمكن التلميذ من تغيير الشعبة التي سبق أن وُجه إليها بشعبة أخرى يعتقد أنها أنسب إليه.
فالمختصون في المجال من أطر التوجيه التربوي و من منظرين يرون أنها أكبر من ذلك. فهم ينظرون إليها أنها محطة مهمة و أساسية في التربية على الاختيار لدى التلميذ . و يتعاملون معها بكونها محطة متقدمة من سيرورة التوجيه ، حيث يطمئنون فيها أحسن على الاختيار الجديد للتلميذ الذي أصبح يتميز بالواقعية أفضل و أصبح مطبوعا بالنضج و الاستقلالية في اتخاذ القرار، أكثر مما كان عليه سابقا. و ذلك بفضل عملية التجريب و التقرب من ظروف الشعبة التي كان قد توجه إليها قبل ذلك و التي أعطته فرصة مقارعة قدراته أولا، و خصوصيات تلك الشعبة ثانيا، و مدى استطاعته التكيف معها أخيرا. و بفضل الوقت الكافي الذي وُفر له للقيام بذلك و الذي يتعدى ثلاتة أشهر في بعض الحالات.تلك الفترة التي قد تكون ساعدته أيضا على التخلى التدريجي عن عدد من التمثلات الخاطئة و المشوشة حول الشعبة التي اختارها سابقا و التي راكمها ذهنه من خلال أقوال غير صحيحة و غير واقعية يكون قد التقطها من هنا و من هناك .
و هذا ما يؤكده الميثاق الوطني للتربية و التكوين حيث خصص شهرا كاملا لمرحلة
تغيير التوجيه و الذي يتزامن مع الشهر الأول من السنة الدراسية، بل مدد معالجة الحالات الشاذة منها إلى نهاية الأسدس الأول من السنة الدراسية، بغية إعطاء التلميذ فرصة وضع قدراته و كفاءاته في محك التجريب ليتمكن من استخلاص ما ينفعه للحسم النهائي في اختياره .
فكما سبق، يتبين أن لهذه المحطة أهمية كبرى في إعادة ملائمة و تصحيح اختيارات التلاميذ مع مؤهلاتهم و قدراتهم و لو بعد مرور مدة لا يستهان بها على قرارات التوجيه، إلا أن واقع الحال لا يخلو من عدد من النواقص لا تزال تشوب هذه العملية، و نذكر من بينها:
- عدم القدرة على تلبية عدد من طلبات تغيير التوجيه بسبب عائق خريطة المؤسسة المستقبلة التي لا توفر المقاعد اللازمة لذلك، خصوصا بالمؤسسات العمومية.
- عدم توفر المرونة الكافية للانتقال من بعض الشعب إلى أخرى ( من الأولى علوم تجريبية إلى الأولى آداب و علوم إنسانية مثلا)، و خصوصا من الشعب التي يُلحق التلميذ إليها دون توفره على شهادة التعليم الإعدادي (شعب التعليم الأصيل و شعب التكوين المهني)إلى الشعب التي يتطلب التوجه إليها حصوله على شهادة التعليم الإعدادي.
- عجز عدد من التلاميذ مسايرة التمدرس رغم تغييرهم للتوجيه ، و خصوصا منهم أولئك الذين يكونون قد أُلحقوا بالأقسام الموالية بمعدلات ضعيفة لا تمكنهم من إظهار جانبية تربوية معينة بعدما يكونوا قد حصلوا على معدل فوق عتبة التداول. فعوض أن يستقروا في الشعبة التي وجهوا إليها و يُدعموا أنفسهم معرفيا لتجاوز الصعوبات الدراسية التي تحاصرهم، تجدهم يبحثون عن الحل في تغيير التوجيه ، فيغيرون شعبة بشعبة أخرى دون أن يتفوقوا في الخروج من المأزق الذي وُضعوا فيه.
- لجوء بعض التلاميذ لهذه المحطة لتحقيق بعض المآرب لا علاقة لها بالتوجيه، كتغيير المؤسسة ( يختار التلميذ تغيير التوجيه لشعبة معينة قصد تغيير المؤسسة)، أو بحثا عن القرب من صديق أو من صديقة . أو لتحقيق حصوله على منحة ( بعض الشعب تُخول للمتوجه إليها الحصول على منحة) . أو بحثا عن معدلات جد مرتفعة للبكالوريا تمكنه من ولوج بعض المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود دون أن يكون مقتنعا بالشعبة أو المسلك الذي يريد إعادة التوجيه إليه( كتغيير الشعبة من مسلكي العلوم رياضية إلى شعبة العلوم الفيزيائية على سبيل المثال لا الحصر )..
- إصرار بعض الآباء على تغيير الشعبة لأبنائهم أو لبناتهم دون رضاهم (هن)..
- إصرار بعض الآباء على تغيير الشعبة لأبنائهم أو لبناتهم من شعب التعليم العام إلى شعب التعليم الأصيل دون احترام القدرات و الرغبات..
و في الختام،لا بد من الإشارة أن موضوع تغيير التوجيه يحتاج إلى المزيد من التوسع و التدقيق، و ما كان يُبتغى من وراء التطرق إليه في هذا الموجز سوى، التحسيس بأهميته في نظامنا التربوي، و العمل على تحقيق تضافر جهود كل المتدخلين فيه لإنجاحه، و الانتباه إلى تجنب كل ما من شأنه عرقلته. خدمة لناشئتنا الصاعدة و تعزيزا لتحقيق، كلما أمكن ذلك، شعار التوجيه الخالد:"وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب".
عبد اللطيف شعيب