عبد اللطيف شعيب
لا أحد ينكر أهمية مرحلة التقويم لكل عمل يُتوخى منه تحقيق أهداف معينة، قصد معالجته و ترميمه و استدراك نواقصه، و بغية صقله و تطويره إلى ما هو أفضل. لكن الارتجال و التسرع في الوسائل المستعملة لذلك في مثل هذه المحطات، قد يجعل المُقوم يعتمد على مؤشرات من شأنها أن تعكس الآية و تأتي بنتائج نقيضة لما سبق ذكره.
إن عملية تقييم مردودية المؤسسات التعليمية و خصوصا منها المؤسسات الثانوية التأهيلية من طرف بعض المسؤولين بوزارة التربية الوطنية باعتماد مؤشر واحد، و المتمثل في نسبة التلاميذ الحاصلين غلى البكالوريا، قد خلق شيئا من التذمر لذى شريحة مهمة من العاملين بها. و قد أحس جزء من الإداريين نهاية السنة الدراسية بالإحباط لما تسلموا من رؤسائهم المباشرين استفسارات تطلب منهم توضيح أسباب تدني نسبة الحاصلين غلى البكالوريا بمؤسساتهم، لا سيما أولائك الذين ضحوا بكثير من الجهد لإنجاح عدد من المحطات التي عرفتها مؤسساتهم، كالمشاركة في تدبير عدد من المباريات التي تنظمها الأكاديمية أو الوزارة خلال السنة الدراسية ..
فأين تتجلى نواقص هذا المؤشر؟ و أين تكمن مخاطره المستقبلية على العملية التربوية التقويمية، و على تدبير شؤون المؤسسة ؟
سأتعرض هنا بشكل موجز لبعض هذه النواقص و سأذكر بعض تداعياتها.
من نواقص هذا المؤشر كونه يحكم على مخرجات المؤسسة فقط دون الاهتمام بمدخلاتها : فالتلميذ الذي التحق بالمؤسسة بمعدل يقل عن عشرة على عشرين سوف لن تكون له حظوظ وافرة للخروج منها بشهادة البكالوريا إن لم يضاعف مجهوده الدراسي خلال السنوات التي سيقضيها بالمؤسسة التأهيلية التي التحق بها على سبيل المثال لا الحصر . و من مخاطر هذا أن بدأ يترسخ اقتناع لذى بعض رؤساء المؤسسات حول ضرورة دراسة ملفات التلاميذ و خصوصا ما يرتبط منها بالنقط و المعدلات التي سبق أن حصل عليها التلميذ سابقا قبل قبولهم بمؤسساتهم، رغبة منهم في مضاعفة نسبة التلاميذ الذين سيحصلون على البكالوريا لديهم مستقبلا . الشيء الذي يتنافى مع مبدئ تكافئ فرص التمدرس أمام جميع التلاميذ دون اعتبارات جانبية أخرى.
كذلك و بما أن هذا المؤشر يعتمد على نسبة الناجحين في البكالوريا فقط ، فقد بدأ يتنمى توجه خاطئ لذى عدد من الإداريين و الأساتذة على السواء في ما يخص جدوى تشديد الحراسة و تطبيق القوانين الزجرية كما تنص على ذلك النصوص المنظمة للامتحانات خلال إجرائها بمؤسساتهم . و من شأن هذا أن يُدخل هذه المؤسسات التربوية في نفق مظلم يصعب الخروج منه دون أضرار، سواءعلى مستوى التلاميذ، أو على مستوى سمعة المؤسسة، أو على مستوى مصداقية العاملين بها..
زد على ذلك أن بعض المؤسسات نظرا لموقعها الجغرافي و إمكانياتها اللوجيستيكية، تجدها تحتضن شعبا لا يلجها إلا التلاميذ المتفوقون، كما هو الشأن بالنسبة لشعبتي العلوم رياضية أ و ب و شعبة العلوم الفيزيائية ..بينما مؤسسات أخرى لا تحضا بهذه الميزة .الشيء الذي يؤثر حتميا، بالإيجاب على معدل الحاصلين على البكالوريا لذى الصنف الأول، و يقلص من هذه النسبة لذى الصنف الثاني. و بالتالي سيضاعف حظوظ الأولى في الحصول على المراتب الأولى و يقلص من هذه الحظوظ لذى الثانية حسب هذا التقييم.
كما نلاحظ أن العوامل الاجتماعية و الجغرافية.. قد تؤثر أيضا على نسبة الناجحين في البكالوريا بين المؤسسات التأهيلية، فتُقدم بعضها و تُؤخر بعضها الآخر، في الترتيب: فظروف الدراسة المُوفرة بالمؤسسات المتواجدة بالأحياء الراقية وسط المدن الكبرى، من قرب، و لوجيستيك، و بنيات تحتية.. ، تخفف عناء التدريس و الدراسة على العاملين بها و على التلاميذ على التوالي، و تساعدهم بالتالي على التحصيل الجيد.. ليست هي نفس الظروف التي توجد في المؤسسات الموجودة في أطراف المدن أو في القرى النائية و التي تتطلب من العاملين بها و من التلاميذ تضحية يومية و معانات مستمرة مع التنقل و مع البنيات التحتية على الخصوص، و تؤثر سلبا على مردودية العملية التربوية برمتها..
كخلاصة، يمكن الإقرار أن اعتماد مؤشر نسبة الحاصلين على البكالوريا وحده لفرز المؤسسات التأهيلية غير كافي، بل إنه فاقد لوفائه و مصداقيته كما تبين مما سبق. و كي لا يظلم أحد من العاملين بمؤسساتنا التربوية و كي لا تكون النتائج عكسية تحرق اليابس و الأخضر على السواء . و كي لا نجعل أحدا من هؤلاء يحس بالغبن رغم كل ما يبذله من مجهود،و من أجل الحفاظ على حماسة العديد منهم ، على وزارتنا الوصية أن تنوع المؤشرات التي ستعتمدها مستقبلا في تقييم مردودية المؤسسات التربوية، فكلما تعددت المؤشرات كلما اقتربت من الإنصاف في عملية التقويم، و عليها أن تهتم بمدخلات المؤسسات و سيرورة الدراسة بها كاهتمامها بمخرجاتها ..
29 شتنبر 2014