نظمت وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني خلال الفترة الممتدة من 28 أبريل إلى منتصف يوليوز 2014 لقاءات تشاورية حول المدرسة المغربية. و عرفت هذه المشاورات إشراك كل الأطراف المعنية بالعملية التربوية وكل شرائح المجتمع و فئاته و فاعليه، للتدارس و التباحث حول القضايا التي تهم منظومة التربية و التكوين.
ولعل تنظيم هذه اللقاءات التشاورية، قد جاء على خلفية المشاكل و الأزمات التي يعيشها قطاع التربية و التكوين. كما جاء أيضا على أمل استخلاص أفكار و مقترحات و حلول مستجدة، تمكن من تجاوز الواقع التربوي المأزوم، و تفتح آفاق مشروع إصلاح تربوي جديد، يجنبنا هدر طاقات و قدرات و إمكانات مواردنا البشرية، ويضع بلدنا على سكة التنمية و التطور و التقدم. فما هي يا ترى الأسباب و الظروف الداعية إلى الإصلاح التربوي؟ و ما هي سياقات و خلفيات تنظيم اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية؟ و ما هي الشروط اللازمة توافرها لتنفيذ و أجرأة نتائج وخلاصات هذه اللقاءات؟
لامراء أن أزمة التربية و التعليم بالمغرب قد استفحلت لدرجة فرضت على الجميع أن يعترف بهذه الأزمة، وبدون مزايدات أو مناقصات. فمن أعلى سلطة بالبلاد، و مرورا بالفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و التربويين و الاقتصاديين، و وصولا إلى الآباء و الأمهات، الجميع أضحى مهووسا بحاضر يتسم بالضبابية وعدم الوضوح، لا محالة تكون له انعكاسات كارثية في المستقبل، على البلاد و العباد.
إن التربية و التعليم هما قاطرة كل تنمية و تطور و تقدم، من غاياتهما جعل الناشئة قادرة على الإبداع و الابتكار في شتى الميادين والمجالات، و تأهيلها للاندماج القيمي في مجتمع سريع التطور و التحول. في هذه السياقات إذن أصبح الإصلاح التربوي يفرض نفسه بقوة وإلحاح، في تسارع مع الزمن و الظروف، و في تصارع مع الشروط والملابسات.
ومن أبرز ما نرنو الى تحقيقه من خلال التربية و التعليم هو تمكين الأجيال الصاعدة من الكفايات والمعارف و المهارات، التي تؤهلهم لمواجهة تحديات التنمية و التطوير و التقدم، وتجعلهم قادرين على استشراف المستقبل بكل عزم و ثقة. فالتطورات المذهلة و المتسارعة التي يشهدها العالم في ميادين العلم و الثقافة و التكنولوجيا، أضحت تتطلب معها إعداد أجيال بشروط و مواصفات دقيقة و محددة، تحفز في ذواتهم و عقولهم قدرات الإبداع و التجديد و الابتكار. و من هنا بالذات يكون المدخل الرئيس و البارز لبلوغ هذه الأهداف و الغايات هو مدخل التربية و التعليم، إذ إن واقعنا التربوي المعيش أضحى يفرض، وأكثر من أي وقت مضى، ضرورة اعتماد إصلاحات شاملة، عميقة، و قوية.
إن الحكم على واقع منظومتنا التربوية لم يتم عبر انطباعات أو ملاحظات عابرة، بقدر ما أن الأمر مرتبط بمتابعات ميدانية من طرف الفاعلين الذين تربطهم علاقة وطيدة بميدان التربية و التكوين، و متصل كذلك بتقييمات علمية تعتمدها العديد من المنظمات الوطنية و الدولية، ليخلص الجميع إلى نتيجة واحدة، مفادها أن نظامنا التعليمي يتخبط في مشاكل و أزمات حادة، تتطلب تدخلات استعجالية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في هذا السياق بالذات، جاء تنظيم اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية، تم خلالها الوقوف على تحليل الأسباب الكامنة وراء إخفاقات المنظومة التربوية و التعرف على انتظارات مختلف الفئات التي لها علاقة بهذه المنظومة. إذ ناقش المشاركون العديد من القضايا المرتبطة بالمنهاج التعليمي و الحياة المدرسية و تدريس اللغات و المسار المهني للموارد البشرية و التكوين الأساس و المستمر، فضلا عن الممارسات في مجال التدبير و استقلالية المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى السياسة التعليمية و وظيفة المدرسة و الحكامة و منظومة التقويم و الامتحانات... ولقد أسفرت هذه اللقاءات عن مجموعة من الخلاصات و النتائج، يمكن تقصيها و الاطلاع عليها في مختلف التقارير الخاصة بهذه المشاورات الصادرة مؤخرا عن وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني.
إن نجاح الإصلاح يكمن أساسا في إيلاء الأهمية لكل الجوانب المتصلة بالعملية التربوية و التعليمية، و ذلك باعتبار أن أزمة نظام التربية و التكوين هي أزمة تعود إلى العديد من المشاكل المتداخلة و المتشابكة. إنها أزمة مرتبطة بالكثير من العناصر المختلفة، منها الحضارية و السياسية و الاجتماعية... وهي أزمة لصيقة أيضا بالعديد من المسؤوليات و العلاقات و الفاعلين... إنها كما يصطلح عليها الكثيرون أزمة بنيوية.
ويعتبر تحديد الغايات الكبرى للنظام التربوي من أولى الأولويات التي يجب الانكباب عليها. فتحديد الملامح الكبرى للمشروع المجتمعي المراد تحقيقه، و وضع فلسفة تربوية منطلقها مميزاتنا و خصائصنا الحضارية و الثقافية و التاريخية، و رسم ملامح الإنسان الذي نبتغيه من الفعل التربوي و التعليمي، كلها تشكل مدخلا ضروريا لكل تغيير و إصلاح تربوي، إن لم نقل كل إصلاح و تغيير مجتمعي.
و باعتبار أن نجاح كل مشروع تربوي مرتبط بإشراك الجميع، من فاعلين تربويين و سياسيين ونقابيين و اقتصاديين... فإننا نرى أن هذا الإشراك لا يتم فقط في عقد لقاءات و اجتماعات و تقديم نتائجها و خلاصاتها. إذ إن الإشراك يجب أن يتم باعتماد منهجية علمية متفق حولها، و يجري عبر كل محطات سيرورة الإصلاح، من النقاش والتشاور، إلى الاتفاق حول الخلاصات و النتائج، إلى التفعيل و التطبيق و الأجرأة. إن استخلاص نتائج اللقاءات التشاورية في أفكار و معطيات، لتكون فقط نواة دعامات و فصول مكتوبة، لا يسهم في نجاح أي مشروع تربوي، ما لم يتم العمل على تحديد الآليات و الأساليب و الشروط الخاصة بالتطبيق و التنفيذ.
ومما يجب أن نتفاداه في عملية إصلاح نظامنا التربوي هو الاستعجال في اتخاذ القرارات و تنفيذها، إذ إن الإصلاح التربوي يفرض أن نجعل منه عملية مبرمجة تنفذ على مراحل زمنية محددة، وبشكل شامل و مندمج. ولعل فشل تجربة البرنامج الاستعجالي لخير دليل على فشل كل مشروع متسرع و مستعجل.
إن النهوض بقطاع التربية والتكوين مرتبط كذلك أشد الارتباط بالوضعية الاجتماعية والمادية للعاملين به، إذ لا يمكن أن نراهن على مدرسة مغربية جيدة و ذات مردودية، يعاني أطرها مشاكل و ظروف اجتماعية صعبة. إن العناية بظروف مختلف العاملين بالمؤسسات التربوية يعد شرطا أساسيا للتحفيز على الجد و العمل، في إطار من المسؤولية المرتبطة بالمحاسبة.
من خلال ما أشرنا إليه من أفكار و معطيات، فإننا لا نروم الانتقاص من أي مبادرة هدفها إصلاح واقعنا التربوي المأزوم، و النهوض بمواردنا البشرية، بما يجعلها مؤهلة لاستيعاب مختلف التدفقات العلمية و المعرفية و التكنولوجية، لتسهم في التنمية في مختلف عناصرها و أبعادها، وأن تكون في مستوى اللحظة التاريخية. بيد أنه لابد من شروط وظروف ينبغي توافرها لإنجاح إصلاح منظومتنا التربوية، إصلاح لم يعد يحتمل التلكؤ و التأجيل.
مصطفى مزياني
أستاذ التعليم الابتدائي