عبد الحق الحاج خليفة
بناء على التقارب الكبير بين منهجية الاشتغال التي تقول بها النظرية الفارقية من جهة، وبين الأساليب التي تعتمدها تكنولوجيا التربية والتعليم من جهة أخرى، وبالنظر إلى كونهما معا يراهنان على تفييء المتعلمين و تقسيمهم إلى مجموعات وفق معايير تختلف باختلاف الأهداف التربوية المرسومة لكل حصة أو مجموعة حصص من حصص التدريس، يمكن القول من الناحية النظرية أن ما تتيحه التربية الفارقية من إمكانات على مستوى الأجرأة والتطبيق بخصوص تيسير عملية إدماج التكنولوجيا الحدبثة في الحقل التربوي، يشكل حافزا قويا و عنصرا مشجعا للاعتقاد في صلاحية الأخذ بهذا الانسجام بين هذين التوجهين والعمل على الإسراع بتنزيل مقتضياته في الواقع الميداني بواسطة مذكرات ومراسيم، وتنظيم لقاءات وندوات للكشف عن الروابط المتينة لتي تربط التكنولوجيا الحديثة بنظرية تربوية رائدة تشكل الأساس النظري والإطار المرجعي الذي تستند إليه تكنولوجيا التعليم، وذلك من أجل تسريع عمليات إدماج هذه التكنولوجيا الحديثة في كل مستويات تعليمنا في أفق إدماجه ضمن المنظومات التربوية التي يراد لها مواكبة مستجدات العصر، وكما جرت العادة خلال المحاولات المتكررة في العقود الأخيرة مع التجارب السابقة. إلا أن الصلاحية النظرية لهذا التجانس بين هتين المرجعيتين –الفارقية والتكولوجيا الحديثة- لا ينبغي أن تشكل مانعا يحول دون الأخذ بعين الاعتبار ما يتحكم في الواقع التعليمي من إكراهات تنتصب أمام ما يتيحه التناغم النظري بين هذين التوجهين. بمعنى أن جاذبية و بريق العلاقة المنسجمة بين هذين الاتجاهين لا ينبغي أن يسقطنا في خدعة انبهارية تحجب عنا حقيقة تكرست من خلال إخفاقاتنا المتكررة بعد الانبهار بالتجارب والنظريات السابقة، و هي أن عملية النقل الآلي للتجارب والحلول قد تكون محفوفة بالمخاطر والصعاب، وقد تحمل في أحشائها أسباب فشلها إذا لم يتم الفعل في الواقع الذي ستنقل إليه هذه التجارب، فعلا يحرص على تيسير أسباب النجاح لعمليات استعارة المناهج والحلول، ذلك أن الأمر يحتاج إلى جانب تلكم المعينات التربوية التي تقدمها النظرية الفارقية، إلى الوعي بأن نقل التكنولوجيا الحديثة إلى الحقل التربوي يحتاج إلى الحيطة والحذر الشديدين، وذلك بالنظر لخصوصية الحقل التعليمي الذي تتجاوز فيه مفاهيم التدبير والجودة والمردودية ، المعنى الكمي والمادي إلى المعنى الكيفي والنوعي ومن ثمة الحاجة إلى تجاوز ذلك التصور الضيق لمعنى المردودية التي ينتظر تحقيقها من وراء هذه التكنولوجيا الحديثة، وهي بالتحديد إدماج التقنيات الحديثة في المنظومة التعليمية لمحاربة الأمية المعلوماتية وبالتالي تحقيق قيمة مضافة على مستوى تنويع وسائلنا التعليمية التربوية وجعلها مواكبة لمستجدات العصر و تحدياته. وتلكم أهداف مطلوبة حقا و لا أحد يستطيع رفضها أو تأجيلها، إلا أنه وبالنظر إلى واقع خصاصنا وانتظاراتنا وأولويات تعلمينا يصبح من أوجب واجباتنا، السعي نحو تلكم الأهداف ولكن من موقع الوعي الكبير بهذه الحاجات والانتظارات وعدم القفز عليها أثناء التفاعل مع هذه التقنيات. بمعنى الإصغاء الدقيق إلى أسئلة واقعنا واستيعابها جيدا وتمثلها ثم البحث بناء على ذلك فيما تقدمه التكنولوجيا الجديدة من حلول و العمل على استعمالها وظيفيا ، نوظفها من أجل الإجابة عما يطرحه الواقع من تساؤلات وما أكثرها، و تكون بذلك إكراهات الواقع من قبيل الاكتضاض، وهشاشة البنيات والتجهيزات والخصاص في الموارد البشرية، وخريطة مدرسية يحكمها شعار الحدف والتقليص والضم والتكديس والتدني المطرد للمستوى، وسيادة قيم نفعية عامية ضمن محيط عائق غير داعم،وفاعلين محليين غير معنيين بالهمّ التربوي إن لم يكن آخر همّ يفكرون فيه،وانتشار ثقافة تبخيسية لقيمة المعرفة ومستوى أداء إداري تربوي تحكمه عقلية انغلاقية تقنية إحصائية على حساب ما هو تربوي واستعمال سلطة المعرفة لممارسة الشطط على المتعلمين وابتزاز أسرهم...تكون بذلك هذه المعضلات بمثابة الأسئلة الحارقة والمعضلات التي أصبحت نزيفا مزمنا يحتاج إلى تدخل استعجالي وبكل الوسائل المتاحة بما في ذلك استعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة من أجل إيقافه بكل استعجال. ننفتح على المستجدات انفتاحا موجها بتساؤلات محددة نبحث لها في هذه المستجدات عما يلائمها من إجابات، انفتاح تكون فيه نوعية مشكلاتنا هي التي تحدد نوعية الاختيارات والحلول المتلائمة مع تلك المعضلات، عوض المحاولات المتتالية لتنفيذ تصورات جاهزة وإسقاطها بشكل تعسفي على واقع غير جاهز لاستقبال تلكم التصورات، و يتعذر بفعل هذا التنافر بين تساؤلات الواقع التي يحكمها طابع الخصوصية وبين الإجابات الجاهزة لتجارب معينة ، يتعذر تحقيق النقلة النوعية على مستوى الرهانات الكيفية المحايثة للتقنية وحمولتها الثقافية من قبيل العقلنة والترشيد وجودة الأداء وحسن التدبير وما يفضي إليه ذلك من نجاعة و فاعلية، وتلكم أهداف لا زالت بعيدة المنال بالنظر لما يعترضها من عوائق مركبة ذاتية وموضوعية. فما العمل إذن؟ هل يقتضي الأمر الانغلاق أمام الإمكانات الهائلة التي تتيحها تكنولوجيا التربية والتعليم طالما أن الواقع الموضوعي لا يساعد على استثمار هذه الإمكانات، أم يحتاج الأمر إلى ما هو أعمق من الاستعارة الآلية للبرامج والمناهج والحلول؟
قد يكون من العبث التفكير في كيفية إدماج التكنولوجيا الحديثة في التعليم بالعالم القروي بنفس الكيفية والمنهاج الممكن اعتماده داخل المجال الحضري. وآية ذلك أن هناك هوة كبيرة بين المجالين بخصوص شروط العملية التعليمية التعلمية، ولعل في غياب تكافؤ الفرص بين المجالين بخصوص استفادة المتعلمين من التعليم الأولي أبرز مثال على الحاجة الماسة للتعامل مع المجالين على ضوء هذه الهوة الموجودة بينهما . فما العمل إذن من أجل تدبير هذه المعضلة الأخلاقية التي ظلت الحكومات المتعاقبة تتفرج عليها والتي لا يبدو في المدى القريب أي انشغال حقيقي للبحث عن حل لها؟ ما العمل من أجل التصالح مع مبدأ إنساني تم التغاضي عنه لعقود من السنين وتم خرقه بتكريس مساواة جائرة يخضع المتعلمون ضمنها لاختبارات إشهادية موحدة على مستوى التقويم دون استفادتهم جميعا من نفس سنوات التمدرس على مستوى التعليم. إذ في الوقت الذي يستفيد فيه المتعلمون داخل المجال الحضري من ثمان سنوات على الأقل قبل اختبارات السنة الختامية بالتعليم الابتدائي، يقضي المتعلمون سنتان منها على الأقل في التعليم الأولي وست سنوات في الابتدائي، لا يقضي المتعلم في العالم القروي إلا ست سنوات في المدرسة الابتدائية في غياب كلي للتعليم الأولي. فهل تكافؤ الفرص حق أم امتياز؟؟.
هاهنا تكمن إذن أحد الأمثلة الصارخة بخصوص العوائق الموضوعية التي تحول دون الاستفادة من التجارب والحلول التي تتم استعارتها دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الواقع وما يتحكم فيه من إكراهات.. فإذا كانت النظرية الفارقية في التربية تركز على ضرورة أخذ الفوارق الفردية والجماعية بعين الاعتبار أثناء العملية التعليمية، وذلك إنصافا للمتعلمين وتوفير سبل تكافؤ الفرص بينهم ليستفيد الجميع مما سطر من أهداف خاصة وعامة،فإن إحدى الصيغ الممكنة للتطبيق الخلاق للنظرية الفارقية هي تمييز العالم القروي عن الحضري بخصوص سنوات التمدرس، وذلك عبر العودة لنظام خمس سنوات في الابتدائي داخل المجال الحضري والإبقاء على ست سنوات في العالم القروي والعودة إلى نظام الأربع سنوات بالتعليم الإعدادي بالنسبة للجميع كحل مؤقت لتقريب الهوة بين المتعلمين المنتمين لمجالين مختلفين - حضري وقروي – في انتظار نضج الوعي بالضرورة الاستعجالية لتحقيق التكافؤ بين المتعلمين بخصوص التعليم الأولي، وهو الهدف الذي يبدو بعيد المنال إلا أن كل حديث عن التنمية أو الحكامة أو الترشيد أو اللحاق بالدول الصاعدة يبقى غير ذي أهمية في غياب التحقيق الفعلي لهذا الهدف.
لقد آن الأوان للوعي بمحدودية ، بل بفشل كل رهان على الاستعانة بالنظريات والتجارب ومحاولة إسقاطها على واقعنا التربوي ، والحاجة الماسة للتعامل مع هذه النظريات تعاملا وظيفيا، نختار ضمنها ما هو ملائم ومناسب لانتظاراتنا وتساؤلاتنا المختلفة عن انتظارات وتساؤلات المجتمعات التي أنتجت تلك التجارب أوالحلول.