بقلم محسن زردان
حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، إنه العنوان الذي يطالعنا في منطوق النشرة الوزارية التي تخبرنا بعقد اتفاقية إطار بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني من جهة و اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من جهة أخرى.
لكننا بمجرد التأمل بعمق في مضمون هذه النشرة الوزارية، نكتشف أن مضمونها الحقيقي لا يعكس العنوان الذي اختير لها، حيث نجد أن مسألة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في سياق توالي زحف السيرورة الرقمية، تمت الإشارة إليها بشكل هامشي، من خلال الاكتفاء بوعود مستقبلية لوضع الاستراتيجيات الغارقة في العموميات لتكييف النصوص التشريعية والتنظيمية بشكل يساهم في حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية مع خصوصيات القطاع، غير أن الإجراء الوحيد والأولي الذي يُفهم من تلك النشرة الوزارية هو بداية تفعيل العمل بتثبيت كاميرات للمراقبة بالمؤسسات التابعة للوزارة.
يبدو أنه أمر غريب حينما يتم تغليف هذا الإجراء بتلك الصيغة، والحديث عن شراكة ترمي إلى حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لنكتشف أن الأمر تم اختزاله في وضع كاميرات للمراقبة بالمؤسسات العمومية، وهو إجراء فيه ما يقال ويثير نقاشا جديا، حول الأسباب و الدوافع: هل هي نابعة من حتمية التطور الرقمي ومواكبة تسارع وثيرة السباق نحو عوالم التكنولوجيا؟ أم ذلك مجرد تنامي لقناعة راسخة على كون المراقبة بواسطة الكاميرات، ستعزز الأمن وتخفف من ظاهرة العنف بالمؤسسات التعليمية، وكذا ضبط دخول وخروج الموظفين سعيا إلى الرفع من المردودية؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بتمرير صفقة من الصفقات التجارية المربحة التي يسيل لها لعاب الشركات المتنافسة؟
من الواضح أن كاميرات المراقبة أضحت في مجتمعنا موضة جديدة، حيث أخذت تتسع بشكل مضطرد فانتشرت في كل حدب وصوب، حتى أن بقال الحي لم يعد يسلم من وضعها، وهي ترمينا في براثن عدوى مجتمعات الرصد والمراقبة والكل يراقب الكل، فسكناتنا وحركاتنا غدت ترصد ليل نهار، فعاد سلوكنا وشعورنا يتسرب إليه نوع من الإدراك بوجود عيون في كل مكان تنتظر أية هفوة منا لتلتقطها وترميها في قرار ذاكرة الآلة، إنها نبوءة ميشيل فوكو حينما لَمَّحَ إلى مسار العصر الحديث في مؤلفه المراقبة والعقاب بسقوط الإنسان في قلق الشعور الدائم بالمراقبة لدفعه إلى الالتزام بأنماط السلوك المقبول.
قد نزعم أن منطق تثبيت كاميرات المراقبة بالمؤسسات هو في قراره سيف ذو حدين، في حين أن أنه سيعزز من حضور هيبة المراقبة حتى يتحكم الإنسان أكثر في سلوكه بشكل يدعم الشعور بالأمن من جهة، لكن من جهة ثانية قد تكون مناسبة لفتح صندوق الباندورا لتجد المنظومة التربوية نفسها غارقة في الفساد والموبقات التي تعجز الوزارة عن التحكم فيهما، كما حدث الأمر مؤخرا مع تزايد تصوير المواطنين لبعض رجال الأمن في وضعيات مخالفة للقانون مما اضطرت معه السلطات تحت ضغط الرأي العام إلى معاقبتهم.
في سياق آخر، يطرح الإشكال القانوني في تصوير وتسجيل الأشخاص صوتا وصورة حتى ولو من دون رغبتهم، حيث أن القانون المنظم الوحيد لهذا المجال 09.08 الخاص بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي الذي يشير إلى أن جمع المعطيات يبقى مشروطا بعدم مسه بالهوية والحقوق والحريات الجماعية أو الفردية للإنسان، وكذا أن لا يكون وسيلة لإفشاء أسرار الحياة الخاصة بالمواطنين، ترك الباب مفتوحا ومبهما على مصراعيه ولم يحدد الغايات من جمع تلك المعطيات هل من أجل الحفاظ على الممتلكات والأشخاص أم لمواجهة الاعتداءات وأفعال السرقة أم ماذا؟
في السياق ذاته، هناك تحديات أم اللجان التي ستعكف على تكييف التشريعات القانونية مع وضع كاميرات المراقبة، حول الأماكن التي ستشملها التغطية هل هي الأماكن المفتوحة والعامة، وعلى أية معايير سوف يتم اختيار زوايا الكاميرات، وماذا عن رصد الأشخاص أو الموظفين خارج أوقات العمل علما أنها تعتبر جزء من الحياة الخاصة للأشخاص، وهل سيتم إشعار المواطنين بتواجد الكاميرات عن طريق الملصقات الإعلامية المثبتة على الأماكن كما هو متعارف عليه، فضلا عن وضع كاميرات بشكل مرئي وبارز للعيان حتى لا يفهم من ذلك أنها وضعت لأغراض تجسسية، وهل من حق المواطن معرفة الجهة المخولة لها بتجميع تسجيلات الصور، وكذا الحق في الوصول إليها والمطالبة بمسحها حسب المهلة التي تخولها القوانين المطبقة دوليا.
أما فيما يخص الشركات المكلفة بالحراسة التي تعاقدت معها الوزارة سابقا لحراسة المؤسسات التابعة لها، فهل سيستمر دورها كما في السابق أم أن حضور الكاميرات سيساهم في التقليل من تواجد مستخدميها ، وهو حديث يجرنا إلى التكلفة المادية التي ستكلف المشروع ومدى تعاظم الميزانيات التي أضحت موجهة لمجال المراقبة والحراسة.
ثمة من يعتقد أن تثبيت الكاميرات بالمؤسسات التابعة للوزارة سيساعد على كشف الموظفين الأشباح بالحجة المسجلة صوتا وصورة، وكذا أشباه الأشباح الذين لا يتعدى حضورهم بضعة دقائق للبروز للعيان ثم بعد ذلك إخلاء مقرات عملهم لوجهة مجهولة، فضلا عن إماطة اللثام على بعض الفئات من الأطر التي نادرا ما تطأ قدماها باب المؤسسات التعليمية.
تَمَوْضُع الكاميرات فوق رؤوس الموظفين ستكون له لا محالة تداعيات على نفسية الفرد وسلوكه، فالعمل تحت عيون الرصد تبعد عنه إلى حد ما العفوية وتجعله حريصا على حساب كل خطوة يخطوها، وهنا سيثار إشكال ضمير الواجب والوازع الأخلاقي هل هو الذي يتحكم في السلوك الإنساني أم أن هذا السلوك المقبول نابع فقط ومشروط بتواجد الكاميرات، حيث تحضرنا في سياقنا هذا إحدى الحوادث المعبرة التي وقعت بسوق تجاري ممتاز بمدينة أوروبية جد متقدمة، حينما انقطع التيار الكهربائي بداخل السوق الممتاز، ليكتشف المشرفون عليه، أنه حدثت أعلى نسبة سرقات نتيجة لتعطل كاميرات المراقبة، وهو سلوك يحمل أكثر من دلالة.