مرت امتحانات الباكالوريا (الدورة العادية) هذه السنة في جو طبعته المواجهة مع ظاهرة الغش، فحسب بلاغ لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني فإن مستويات الغش بدأت في التراجع بنسبة %33 مقارنة بالسنة الفارطة، وهو مؤشر على التأثير الذي أحدثته الاجراءات الزجرية التي اتخذت، من قبيل مقارنة أوراق التحرير والغاء المتشابه منها، والمتابعة القانونية في حق من ضبط متلبسا. لكن تبقى هذه الخطوات في وضعية المسكن لأعراض الداء لا الترياق، فبدون مقاربة شمولية اقتصادية، واجتماعية، وتربوية، وأخلاقية سنبقى كل سنة، وعند أي استحقاق تقييمي لكفايات ناشئتنا، نجتر الحديث عن هذه الظاهرة، وكأننا سيزيف الذي يحمل الصخرة على عاتقه ويصعد بها الى أعلى الجبل فتتدحرج منه لتنزل الى الاسفل، فيعيد المسكين الكرة الى ما لا نهاية. فنقطة الانطلاق وقاعدة العمل لمحاربة هذه الافة، تبدأ من الاسرة ومدى تشبع الوالدين بالمبادئ الاخلاقية وتطبيقها في الواقع اليومي، مما يوفر القدوة الصالحة للأبناء، وعلى قائمة هذه المبادئ الامانة وتحمل المسؤولية. والمدرسة وما تحمله من ثقافة مؤسساتية تتمثل المبادئ الاخلاقية في كل حركاتها وسكناتها. والمجتمع بكل بنياته الادارية والاقتصادية والاجتماعية ومدى استدماجها للمعايير الاخلاقية السامية، وهو ما يتيح مناخا مفعما بالمثل والمبادئ العليا يمد الناشئة بمقومات الحياة الصالحة. فيندفع الفرد نحو الجد والعمل ونكران الذات لتحقيق أهداف البناء والتنمية.
كما يجب اصلاح النسيج الاقتصادي الوطني، وتقوية بنياته حتى يكون موردا لتوفير الوظائف لخريج الجامعات والمؤسسات التعليمية والتكوينية، وتأهيلها بما يجعلها مكانا لتكافؤ الفرص و العدالة الاقتصادية.
اجتماعيا وتربويا ينتظر اصلاح المؤسسات الاجتماعية وعلى راسها المدرسة، بتزويدها بأحدث المعدات الديداكتيكية، والمقاربات التربوية، و الاطر الادارية والتربوية الكفاءة، من خلال توفير الموارد المالية الكافية ومأسسة التكوين المستمر لمختلف الفاعلين التربويين والاداريين وفق اخر المستجدات التربوية والتسييرية، مع احداث نطام للتحفيز يدفع نحو بدل كافة الجهود لإنجاح المشروع التربوي الوطني.
كما يجب تفعيل أدوار المؤسسات الدينية، و نتحدث هنا بشكل خاص عن المساجد والمجالس العلمية، حتى تقوم بأدوارها في الوعظ والارشاد، وتخليق الحياة العامة، فالوازع الديني يبقى في جميع الاحوال قطب الرحى لأي اصلاح اخلاقي، لذلك لابد من ايجاد وخلق وجيهات(interfaces) بين المؤسسات الدينية و المؤسسات الاجتماعية والادارية، وربط هاته بتلك حتى نتوفر على زخم في مجهود التخليق، ودعم ركائز المبادئ و المثل في نفوس الاشخاص، وفي هياكل مختلف المؤسسات.
ان الاجهاز على ظاهرة الغش، بما هي احدى تجليات تضعضع معايير الاخلاق في المجتمع، ليس بالأمر اليسير او الهين، انما يتطلب مجهودات متواصلة وخطط مدروسة و طول نفس، نعتقد جازمين ان المغاربة، بما عرف عنهم عبر التاريخ، قادرون على رفع هذا التحدي خصوصا اذا توفرت الارادة السياسية والالتزام الفردي والمجتمعي.
العربي السعدي
مستشار في التوجيه
اسفي