تستعد النقابات الأربع (الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والفيدرالية الديمقراطية للشغل)، ومعها عموم الشغيلة المغربية بالقطاعين العام والخاص، والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والخدماتية، والجماعات المحلية، وكل القطاعات المهنية، لخوض تجربة الإضراب العام، بعد مرور أزيد من أربع وثلاثين سنة على إضراب 20 يونيو 1981، الساحق، والماحق الذي كاد يدفع بالمغرب إلى براثين الفوضى والاقتتال الداخلي، بسبب الانفلاتات التي واكبت يوم الإضراب، وردود الفعل غير المحسوبة لأجهزة القمع المخزنية أنذاك، والتي أفرطت في استعمال القوة لتفريق المسيرات الاحتجاجية.
ولعل قرار خوض الإضراب العام، الذي يهدف إلى شل الحركة الاقتصادية بالبلاد، وتكبيد الدولة المغربية، وعمودها الفقري، الاقتصاد الوطني؛ خسائر سيكون لها ما بعدها، كآخر وسيلة للفت الانتباه إلى مطالب الشغيلة، والضغط من أجل توقيف القرارات اللاشعبية للحكومية، في قضايا تَهُمُّ اليومي للطبقتين الكادحة والمتوسطة، وفتح حوار جاد حولها،... إن لم تكن له أجندات سياسية، يحركها أعداء التجربة الحالية من خارج الجسم النقابي؛ ليُعَدُّ من أصعب القرارات التي يمكن أن تقرر فيها المركزيات النقابية الحالية؛ وذلك لسببين:
الأول: لأن خوض هذا الفعل الاحتجاجي الحاسم والمكلف، سيضع الداعين إليه أمام الكثير من المسؤولية الاخلاقية، والسياسية، والأمنية، قد تنوء بحملها إطارات- مجتمعة فضلا عنها منفردة- تتلمس الخروج من أزماتها الداخلية، وتبعات انسحابها الطويل من الهَمِّ الشعبي. إذ قد يعرف الانخراط العشوائي وغير المنظم في هذا الإضراب، الذي قد يتحول يومه إلى هبات جماهيرية عفوية، وغير متحكم فيها، على غرار هبات إضراب 1981، إلى حدوث انفلاتات، يستغلها المتربصون بأمن البلد، واستقراره، لتصريف مكبوتاتهم الحاقدة في شوارع الوطن، لجر البلد إلى المجهول، ومن تم تتحمل هذه الإطارات الضعيفة، وغير المتوازنة الأطراف والتوجهات، المسؤولية، كل المسؤولية، في هذا القرار.
الثاني: لأن النقابات، إياها، تعلم علم اليقين وحقه، أنها إطارات مهترئة، خاوية على عروشها، لا امتدادَ جماهيري لها، ولا مساندَ شعبيَ يسند ظهرها. وأن الانخراط في هذا الإضراب، بما في ذلك الاستغلال العشوائي لفعالياته، وما سيتبع ذلك- لا قدر الله !- من انفلات يأتي على الأخضر واليابس، لن يكون بسبب الاستجابة الجماهيرية، لندائها "المُواطِن"، ولا بسبب شعبيتها لدى الشعب المغربي، أو قوتها في الساحة، (كما كان الحال مع النقابة الداعية لإضراب 1981)، ولكنه سيكون بسبب تربص أطراف، لا علاقة لها بالنقابات، بعضها يشتغل في الخفاء ويدفع بأصحاب الحقوق المشروعة، إلى الأمام، لتصفية حساباته مع خصومه الجذريين، وبعضها سيركب الموجة، وسيهب لتلبية النداء، كمدخل لوضع رسالته السياسية، أو الثقافية/الهوياتية، أو الوجودية/الانفصالية، على طاولة حوار الشارع، للضغط، ولَيِّ الأدرع.. وهي التبعات التي تحملها الإطار النقابي الذي دعا إلى إضراب 1981، بكل مسؤولية، أيام العز والقوة والشعبية.. في حين لن تستطيع أن تتحملها إطارات 2016 مجتمعة، لأنها بكل بساطة فاقدة لما تعطي !!. والنتيجة ستكون- لا محالة!- انتهاء هذه الإطارات، وسقوط رؤوسها الهرمة، وذهاب ريحها.
ولكن السؤال الحارق والملح الذي يطرح نفسه هاهنا:
ما العمل؟ هل ننخرط في هذه الدعوات الاحتجاجية التي يستهدف ظاهرها الدفاع عن المطالب الشعبية العادلة والمشروعة، وصد الهجوم الممنهج الذي تسلكه هذه الحكومة ضد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب المغربي، وباطنها أمورا لا يعلمها إلا الله تعالى والأساطين المحركة لها؟. أم نتنحى جانب الحائط، نسب الظلام، ونحتمي بنظرية المؤامرة، ونرد كل صراخ يصدر عن مظلوم، إلى مؤامرة تستهدف النيل من الحكومة، و العداء لقادة أحزابها، وأيديولوجيتهم؟ !!!
لا يمكننا، أبدا، أن نكون سلبيين في مثل هذه المواقف الحاسمة التي يوضع فيها الوطن على طاولة المناكفة، والمساومة بين أبنائه؛ بين من يقود زمامه وفق أجندات متحكم فيها، تضع المواطن في ذيل اهتماماتها، وتصرف قراراتها اللاشعبية في خضم ترضيات أطراف خارجية وأخرى تتربص بقُوتِه؛ تستنزف بقاياه، لتقيم أَوَدَها المتخم بالامتيازات، والإكراميات، والعلاوات، و"التسريح المؤقت" على ذمة قضايا الفساد، التي أزكمت الأنوف، ولا زالت تتلقى الإرضاء الحكومي، بالعفو المطلق عما سلف، وتحميل "الصائر" للمواطن الكادح، يؤذيه أقساطا من جيبه المثقوب، ودفعات ملزمة، على ذمة أجرته التي استنزفتها عوادي الحياة المُرة، وهو يشهد على هذه الفروق الصارخة التي يعرفها الوطن،... وبين كائنات، ومنها رؤوس حزبية وأخرى نقابية، تتباكى، اليوم، على حاله التعس، وتذرف من أجل الوطن، دموعا ما عادت تنطلي على فِراسة مواطن، تحولت لديه "رُؤيا" المعاناة والمصابرة عليها إلى علم لَدُنِيٍّ يكشف له الحجاب، ويُنْبِئه بخفايا هذه النفوس الشائهة،...!!
بين هؤلاء وهؤلاء، لا يملك المواطن العاقل والمستقل، إلا ان يختار لنفسه طريقا ثالثة، تقدر ما يستحق التقدير، وتنحو نحو الاحتجاح المسؤول، ضد التجاوز والخرق والفساد، في خضم هذه الدعوات التي استفاقت بعد طول رقاد؛ ليس حبا، ولا نصرة لهذه الكائنات الموسمية، التي بدأت تتلمس من "أصلها التجاري" العتيد، نفحات نضال، وبسالة ترمي بها في ساحة الوطن المثخن بجراح الهتك المتعمد ضد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية،...لترد لصورتها الكزة الجاحدة قليلا من البريق السالف، من عصر سلف النضال الصالح؛ ولكن لغياب "البديل المواطن" الذي لا يبغي من نضاله جزاء ولا شكورا.. البديل الذي يحتج للوطن، من أجل الوطن، وينتصر للمواطن، من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية...!!.
دمتم على وطن..!!.