بقلم هشام البوجدراوي
من المعلوم أن خارطة الطريق 2022-2026 لإصلاح التعليم تتغيا تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية، يتجلى أولها في مضاعفة نسبة التلميذات والتلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساس بالسلك الابتدائي، وثانيها تقليص الهدر المدرسي بنسبة 3/1، وثالثها مضاعفة نسبة التلميذات والتلاميذ المستفيدين من أنشطة الحياة المدرسية.
ومن المعلوم أيضا أن مشروع المؤسسة المندمج، يعتبر آلية عملية لتنزيل الأهداف الاستراتيجية على مستوى المدارس. وأن الصيغة المحينة للمشروع المندمج، التي جاءت مع المذكرة الوزارية 24/014 بتاريخ 06 فبراير 2024، قد حددت ثلاث أولويات قابلة للتنزيل على المستوى المؤسسات التعليمية، لها ارتباط جذري مع الأهداف الاستراتيجية التي حددتها خارطة الطريق 2022/2026 "من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع".
ومن المعلوم كذلك أن لكل سلك تعليمي خصوصياته منها: السن، المضامين المدرسة، طبيعة التعثرات وامتداداتها، الشعب والمسالك المتاحة، نوعية المشكلات المدرسية التي تعيشها المؤسسات، طبيعة وأهداف أنشطة الحياة المدرسية، عدد ساعات التدريس....
ومن البديهي أن نتساءل، حينما نمعن النظر في صياغة الأهداف الاستراتيجية الثلاثة:
ما مدى إمكانية تحقيق أهداف خارطة الطريق بالسلك الثانوي التأهيلية؟
وهل هذه الأهداف تتناسب من حيث الصياغة مع خصوصية السلك؟
وهل من الممكن أن تشترك الأسلاك الثلاثة في نفس الهدف مع العلم أن لكل سلك خصوصياته؟
هذه التساؤلات وغيرها تفتح الباب أمامنا لطرح مزيد من الأسئلة حول ما مدى إمكانية تنزيل أهداف خارطة الطريق على مستوى المدارس الثانوية.
الهدف الاستراتيجي الأول:
التعلمات الأساس أم مضامين المواد الأساس؟
يعتبر مصطلح "التعلمات الأساس"، الذي ورد بالهدف الاستراتيجي الأول، من المصطلحات التي خلقت جدلا واسعا بين أعضاء فرق القيادة بالمؤسسات التعليمية، خلال إعدادها للمشاريع المندمجة، حيث أخذ تأويلات متعددة: فهناك من عرفها بالحد الأدنى من التعلمات المرتبطة بمادتي الرياضيات والقراءة، والتي تتيح الانتقال إلى المستوى الأعلى، وآخر اعتبرها الحد الأدنى من التعلمات المرتبطة بجميع مكونات منهاج السلك الابتدائي، وثالث اعتبر أن مفهوم التعلمات الأساس يقصد به مضامين مادتي الرياضيات والقراءة بالسلك الابتدائي والثانوي الإعدادي.
وبالرجوع إلى المعطيات الواردة بالتقييمات الوطنية حول مكتسبات التلاميذ المتضمنة بوثيقة خارطة الطريق، يتضح أن المقصود بالتعلمات الأساس، حسب الوثيقة، هي مضامين مادتي الرياضيات والقراءة بدليل أن متعلمات ومتعلمي السلك الابتدائي يتلقون منهاج المادتين كاملا دون تخصيص لتعلمات دون أخرى.
مما سبق نتساءل:
هل الهدف الاستراتيجي الأول يرتبط فقط بالتعليم الإبتدائي؟
وما موقع التعليم الثانوي التأهيلي منه؟
وإذا ما حاولنا ملاءمة مضمون الهدف الاستراتيجي الأول مع خصوصية التعليم الثانوي التأهيلي، وجدنا أنفسنا نتساءل مرة أخرى: ماهي مضامين المواد التي يمكن اعتبارها تعلمات أساس؟ هل هي فقط مضامين مواد الامتحانات الإشهادية الخاصة بالسنتين الأولى والثانية باكالوريا؟
ومعلوم أن التعلمات الأساس والكفايات الأساس مصطلحان تقنيان ظهرا مع مشروع بيداغوجيا الإدماج بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، هذه البيداغوجيا استهدفت إعطاء معنى للتعلمات من خلال التركيز على اكتساب التلميذات والتلاميذ التعلمات الوظيفية الأكثر أهمية وتعبئتها واستدعائها وتوظيفها في حل وضعيات حياتية دالة.
وإذا ما استحضرنا سياق التوقفات التي عرفتها منظومتنا التربوية، نتيجة جائحة كورونا ثم ما تلاها من إضرابات القطاع والتي امتدت من شهر أكتوبر إلى أواخر شهر دجنبر، اقتنعنا أن ما تقصده الوزارة بالتعلمات الأساس هو الحد الأدنى من التعلمات التي يحتاجها التلميذ للانتقال إلى المستوى الموالي، فمتعلمات ومتعلمي الأسلاك الثلاثة راكموا من التعثرات ما يصعب معه استدراك ومعالجة التأخر الدراسي الذي أصبحوا يعانون منه. والوزارة الوصية من خلال إجراءات الإصلاح الأخيرة، تحاول تدبير المأزق من أجل مباشرة التدابير الكبرى المرتبطة بمدارس الريادة، والتي من خلالها تتغيا معالجة أعطاب المنظومة.
الهدف الاستراتيجي الثاني:
محاربة الهدر المدرسي أم مأسسة التوجيه المدرسي والمهني داخل المدارس؟
يعرف المجلس الأعلى للتربية والتكوين الهدر المدرسي، في تقريره حول التربية غير النظامية الصادر في فبراير 2017، بأنه التوقف عن مواصلة الدراسة وعدم إكمال المتعلم لدراسته ومغادرته مقاعد المدرسة نهائيا دون الحصول على أية شهادة، ودون تأهيل دراسي أو تكويني.
ويعتبر الهدر المدرسي من الظواهر التي تؤرق المجتمعات والحكومات، خصوصا إذا ما ارتبطت بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، لما له من آثار اجتماعية واقتصادية سلبية على الدولة والمجتمع. ومن أجل الحد من انتشاره، حددت وزارة التربية الوطنية السن الإلزامية للتعليم في 16 سنة، واعتبرت تقليص الهدر المدرسي بنسبة 3/1 من بين الأهداف الاستراتيجية الكبرى لخارطة الطريق 2022/2026.
لكن، هل يمكن اعتبار تقليص نسب الهدر المدرسي أولوية استراتيجية بالنسبة للثانوي التأهيلي، علما أن متوسط سن تلميذات وتلاميذ السلك يتجاوز 17 سنة؟ وهل المتعلمات والمتعلمين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18و 20 سنة، والذين تعذر عليهم متابعة دراستهم بالسلك الثانوي والتحقوا بمؤسسات التكوين المهني أو التحقوا مباشرة بسوق الشغل، يعتبرون أعداد تغذي نسب الهدر المدرسي؟ مع العلم أن الدولة تشجع على تأسيس المقاولات الذاتية الصغرى والمتوسطة لاستيعاب المفصولين عن المؤسسات التعليمية وكذا لإنعاش وتنمية الاقتصاد الوطني.
إن الهدف الاستراتيجي الثاني في نظرنا يجب أن يرتبط بالأساس بمأسسة التوجيه المدرسي والمهني داخل المدارس قصد الرفع من نسب تحقيق المشاريع الشخصية للتلميذات والتلاميذ. فمرحلة الثانوي التأهيلي هي مرحلة توطيد وتكييف المشاريع الدراسية والمهنية، كما أنها تعتبر فرصة لتعميق المعرفة بالمهن ومتطلبات وآفاق سوق الشغل الواعدة ومحطة تأهيل المغادرين من المتعلمات والمتعلمين المفصولين عن المؤسسات التعليمية لولوج سوق الشغل وفرصة للاندماج المهني والاجتماعي.
إن اكتساب كفايات الاندماج الاجتماعي والمهني التي توفرها هذه المرحلة، وتنمية الوعي بالثقافة المقاولاتية، وامتلاك الحس الريادي، واكتساب كفايات الاختيار، ستساهم جميعها في اتخاذ القرار السليم الذي يهم حاضر التلميذ المدرسي ومستقبله المهني، بعيدا عن منطق الامتحانات الإشهادية والشواهد التي توفرها، والتي تصبح في أحيان كثيرة، عائقا بالنسبة للتلميذات والتلاميذ المتعثرين دراسيا، أمام تحقيق مشاريعهم المهنية.
إن المؤسسات التعليمية، خلال بناء مشاريعها المندمجة، يجب أن تستحضر مكون التوجيه المدرسي والمهني وتعتبره أولوية تستوجب تسخير أهداف وعمليات متعددة تسعى من خلالها إلى إيجاد الروابط بين مؤهلات المتعلمات والمتعلمين وتعلماتهم وتطلعاتهم المهنية.
إن كثيرا من التلميذات والتلاميذ، خصوصا منهم من راكم التعثرات الدراسية منذ السلك الابتدائي إلى التعليم الثانوي التأهيلي، لا يجدون أنفسهم داخل الحجرات الدراسية، ويميلون بطبعهم إلى الأعمال اليدوية والمناولات. فمن غير المعقول أن يضيع كل واحد منهم سنوات من عمره في اقتناص فرص للشغب داخل المدارس، تتسبب في التشويش على السير العادي للدراسة وحرمان أقرانهم، ممن له القدرة على الالتحاق بالتعليم العالي أو مؤسسات التكوين المهني، من حقهم في التمتع بالهدوء المدرسي، في حين كان من المفروض أن توجه طاقاتهم ومواهبهم إلى مسالك وجسور مناسبة، تساهم في تحقيق مشاريعهم التكوينية والمهنية.
الهدف الاستراتيجي الثالث:
الرفع من عدد المستفيدين أم مأسسة أنشطة الأندية التربوية بالثانويات؟
تعتبر أنشطة الحياة المدرسية أو ما أصبح يصطلح عليها، مع إصلاح خارطة الطريق بأنشطة التفتح والمواطنة، فرصة للرقي بشخصية المتعلمات والمتعلمين وتعزيز اتجاهاتهم وصقل مواهبهم وترسيخ القيم الوطنية والدينية والكونية لديهم وإكسابهم المهارات الضرورية لتيسير اندماجهم الدراسي والمهني. ولأجل تلك الغايات، تراهن الوزارة الوصية، من خلال الهدف الثالث لخارطة الطريق، على مضاعفة أعداد المستفيدين من التلميذات والتلاميذ من أنشطة الأندية التربوية من خلال خلق فترات مدرسية لممارسة الأنشطة الموازية داخل الأندية التربوية. لكن مع الإكراهات المرتبطة بالفضاء المادي والخصاص في الموارد البشرية تبقى التساؤلات التالية حاضرة:
هل يمكن توطين الثلاث ساعات الخاصة بأنشطة الحياة المدرسية، والتي تقترحها المذكرات الوزارية، بجداول الحصص خصوصا وأن القطاع يعاني من الخصاص من الأطر التربوية؟ هل تم إعداد برنامج للأنشطة الموازية يتناسب مع غايات أنشطة التفتح وأنشطة التربية على القيم؟ هل تم حصر المهارات التي يحتاجها سوق الشغل والتي تعتبر من صميم اهتمامات الأنشطة الموازية؟ هل تتوفر المؤسسات التعليمية على الموارد البشرية الكافية المؤهلة لتنشيط حصص الأندية التربوية؟ هل البنية المادية للمؤسسات تستطيع توسيع دائرة المستفيدين من أنشطة الحياة المدرسية؟ هل تم التفكير في خلق برنامج لتحفيز الأساتذة على الانخراط في أنشطة الأندية التربوية؟ هل منشطو الجمعيات الشريكة، من المجتمع المدني، لهم من الكفاءة والتكوين ما يمكنهم من تمرير حصص الأنشطة الموازية؟ متى سيتم القطع مع هاجس الامتحانات والذي يجعل معظم التلميذات والتلاميذ يفضلون حضور حصص الساعات الإضافية على تنمية المهارات الحياتية وتنمية كفايات التفتح والمواطنة؟
إن التفكير في مضاعفة نسب التلاميذ المنخرطين في أنشطة الحياة المدرسية تتطلب من الوزارة الوصية الإجابة عن الأسئلة سالفة الذكر والتي فرضها واقع مدرستنا العمومية. لكن إلى ذلك الحين يبقى تحفيز الأطر الإدارية والتربوية هو مدخل أساسي لكل إصلاح، فمرحلة ما بعد حراك القطاع أسست لثقافة تنظيمية جديدة تتجه نحو المطالبة بالاعتراف بالمجهود وتقتنع بمقولة الأجر مقابل الساعات الإضافية.