ليس من السهل تغيير الواقع التعليمي و التربوي ما دام صوت الباحث التربوي غير مسموع و لا نراه في الندوات التربوية، والثقافية والعلمية. يفرض علينا المعيش اليومي أن نفكر في عدة أمور ومواضيع. لكن قبل أن نفكر علينا أن نعرف ما يجب أن نفكر فيه، وأن تكون لنا القدرة على التفكير، والحرية في اتخاذ مبادرات،و اختيار الموارد التي تيسر لنا عملية التفكير من أجل إيجاد حلول لمختلف المشاكل التي تعرض حياتنا ومستقبلنا لمختلف الأخطار التي يمكن أن تباغتنا و تزعزع استقرارنا الذي نعمل بجهد على مواصلة تثبيت استقراره. إن العالم يتغير، والعلم يتطور؛ ولابد أن يصحب هذا التغيير ثورة في الفكر، والأفكار، والنظريات؛ لكن في الأنظمة التربوية التقليدية و السلطوية لا نلمس هذه القاعدة سواء على صعيد المعاملات والعلاقات الإنسانية، ولا على صعيد المعرفة العلمية؛
لأن ما ينقصنا ليس الكفاءات العلمية و لا الباحثين التربويين بل رد الاعتبار لهذه الفئة التي غالبا ما تهاجر إلى دول الشمال التي تكرم المثقف و الباحث.
ركزت الدول المتقدمة على الفرد، وعلى العلماء الذين يمثلون موردا بشريا هائلا؛ فالعالم يبتكر، ويكتشف. أصبحت الدول المتخلفة تستورد أفكارا ونظريات من الغرب لا تتوافق مع واقعها وتاريخها وثقافتها؛ ليس لأن العلماء والباحثين في الدول النامية عاجزون عن تقديم بدائل وحلول، بل لأن أصحاب القرار يفضلون استدعاء خبراء دوليين كما يقولون؛ ويجربون نظرياتهم التعليمية التي غالبا ما تفشل نظرا للمقاومة التي تواجه بها من طرف العاملين والموظفين لأنها لا تحفزهم، ولا يدركون أهميتها.
لا زال الباحث التربوي الممارس بأحد أسلاك التعليم مهمشا؛ يعيش هموم المنظومة التعليمية يكتب ويؤلف لكنه لا يجد آذانا صاغية تنصت إليه لأن أصحاب القرار لا يعنيهم المفاهيم التربوية والحلول الإجرائية التي يمكن أن تسهم في تجويد العملية التعليمية التعلمية؛ بل يفضلون استدعاء خبراء على حد قولهم لأن كل من يأتي من الخارج هو خبير.
عندما يحس الباحث التربوي بالإقصاء و عدم التحفيز، و المس بكرامته وعلمه؛ فلا يمكن أن نطلب منه أن يرسل مقترحات إلى وزارة التربية الوطنية من أجل دراستها؛ و هنا السؤال المطروح: من سيدرس هذه التوصيات والمقترحات؟ وهل ستسند مهمة أجرأتها و تفعيلها لأصحابها أم أن أشخاصا آخرين سيتكفلون بتنزيلها مقابل تعويضات مالية؟ هل سيتم فعلا الإنصات إلى الباحث التربوي أم أن نداء وزارة التربية الوطنية الذي يتجلى في دعوة الباحثين والمهتمين بالشأن التربوي إلى إرسال مقترحاتهم إلى الوزارة تخريجة جديدة فحسب؟
لا أظن أن الباحث التربوي الذي يعمل بأحد أسلاك التعليم سيقتنع بمصداقية هذا النداء؛ لأننا كتبنا الكثير لكن لم يتم إشراكنا أو تكليفنا بمهام البحث والتكوين والدراسات الميدانية؛ بل لا زلنا مجرد أرقام عند وزارة التربية الوطنية بصفة خاصة، ولا زلنا نخضع لأوامر الرؤساء.
إذا كانت هناك نية و إرادة قوية في التغيير؛ فلا بد من التواصل المباشر مع الباحث والمهتم بالشأن التعليمي، و لا بد أيضا من البحث على الكفاءات التي تعتمد مقاربة تربوية و تشاركية لحل مشكلة تدني مستوى المتعلم المغربي. ينبغي، إن نحن أردنا التقدم والرقي أن نقبل من يخالفنا الرأي، وننصت إليه لأنه سيساعدنا على تطوير فكرنا، ويوضح لنا مواطن الخلل؛ فتطور العلم يعتمد على تصحيح أخطائه، أما إذا بقينا متشبثين بنظرية واحدة فإننا لا محال سنبقى على حالنا المتخلفة التي قد تتراجع إذا لم نراجع أنفسنا ويكن لدينا اليقين بأننا جاهلون ولن نصل إلى الحقيقة العلمية الواحدة المطلقة.
حمد الله اجبارة
باحث تربوي