تقرير: رشيد شاكري // نائب رئيس التضامن الجامعي المغربي // عضو مختبر العلوم المعرفية
أجمع المشاركون في الندوة الدولية التي نظمها التضامن الجامعي ومختبر العلوم المعرفية يومي 28 و29 مارس 2015، في موضوع التعليم والتعلمات المدرسية، (أجمعوا) على ضرورة إسناد القرار التربوي للبحث العلمي ونتائجه، وتنزيل المعرفة العلمية لتكون في متناول الفاعلين التربويين. هذه المعرفة التي تناوب باحثون من المغرب وقطر ومصر وتونس والجزائر، على تقاسمها مع المتابعين للندوة، رصدت اختلالات منظومة التعليم وملامح الإصلاح، فقد رصد د. فؤاد شفيقي مدير المناهج تحديات الثورة الرقمية على المناهج الدراسية وعلى طريقة اشتغال المدرسين داخل الفصول وطبيعة المعرفة المتضمنة في البرامج والكتب المدرسية، وتحديات إشراك المدرسين، وإقناعهم بنجاعة الاختيارات التي يتم تبنيها؛
التحديات الرقمية التي أثاره د. شفيقي وجدت صداها في أبحاث العلوم المعرفية من خلال مداخلة د. بنعيسى زغبوش، الذي تطرق إلى تأثير غوغل Effet Google أي استعمال الأنترنت وتأثيراته على "طبيعة" معرفية الإنسان أو ذكائه، إذ أكدت الدراسات أن المواظبين على استعمال محركات البحث على الأنترنت، يحتفظون بمسار النفاذ إلى المعلومة أو روابطها، أكثر من تخزين المعلومة ذاتها، مما سيدفعنا إلى الانتقال من"اللغة المكتوبة" إلى "لغة اللمس" لأن أداتها بصدد التحول من استعمال القلم من خلال "الضغط" عليه، إلى استعمال رؤوس الأصابع من خلال "لمس" الشاشة.
بدوره، شرّح الباحث محمد مكسي الواقع التعليمي من خلال خمس فجوات بين التنظير والتطبيق، وهي:
- الفجوة بين خطاب الميثاق الوطني للتربية والتكوين والواقع التعليمي الذي ينظر له، وهي الفجوة التي أضاع فيها الميثاق الجهد والمال والوقت.
- ضعف أداة تطبيق النظريات التربوية المستوردة، والنماذج البيداغوجية المرافقة لها في دعامات الميثاق.
- النظريات المستوردة لا تستجيب لحاجيات المدرسين،
- الفجوات المعرفية بين التعلم المتحدث عنه في الميثاق وحقيقة التعلم كما تؤخذ من داخل قاعات الدراسة.
- غياب تكوين المدرسين الذين تركوا لمواجهة خيال الميثاق وواقع المدرسة العمومية. ويمكن أن نضيف إلى هذه المشيرات مشكلات التوجيه، ومشكلات التقويم.
أما رئيس التضامن الجامعي ذ. عبد الجليل باحدو فقد بَيَّنَ بِناء على دراسة الملفات المعروضة على التضامن الجامعي المغربي حول العنف بالوسط المدرسي خلال السنوات الخمس الأخيرة، أسباب هذا العنف التي تعود في مجملها إلى تخلي المدرسة عن دورها في التنمية وعدم ربطها بسوق الشغل في إطار إستراتيجية وطنية للإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأشار إلى أن أجواء العنف في الوسط المدرسي تكون لها انعكاسات سيئة على المناخ الذي تجري فيه عملية التعليم والتعلم سواء داخل القسم أو خارجه، الشيء الذي يؤدي إلى التغيب عن المدرسة، وظهور مشاكل تتعلق بالسلوك والانضباط، والتوقيف المؤقت عن الدراسة وفي نهاية المطاف الهدر المدرسي.
من جانبه أشار د. مبارك حنون إلى عوامل أزمة تعليم اللغة العربية وتعلمها، ومنها القطيعة بين البحث (إنتاج المعرفة) والتربية (نقل المعرفة) والتكوين (تطبيق المعرفة)، ودعا إلى تصحيح مسار اللسانيات العربية بالخروج من الطابوهات اللغوية، كالبحث في اللهجات بما يخدمها ويخدم الفصحى، فنحن بحاجة إلى أوصاف علمية للدوارج في أفق خلق جسور علمية وعملية بين الفصحى ولهجاتها.
في نفس السياق توصل د. مصطفى بوعناني إلى أن الأخطاء اللغوية التي يرتكبها المتعلمون، ترتبط بمضمون الدروس الموجهة لتقديم أصوات اللغة العربية وطريقة تدريسها، والتي تغيب عنها إجرائية التمييز بين الأصوات المتشابهة على مستوى النطق والربط بين الفونيم والغرافيم كما أن المدرس لا يمثل (في بعض الأحيان) النموذج الأمثل فيما يتعلق بالتحقيق النطقي للأصوات اللغوية، مع عدم استثمار الوعي الفونولوجي للغة الأم في مسارات تعليم القراء والكتابة العربية.
من جهته، عالج د. اسماعيل علوي تعليم المعارف المدرسية وتعلمها وفق منظور النوروتربية التي ترى أن ترى أن عمليات التعلم، تساهم في تغيير بنية الدماغ واقتراناته العصبية، لذلك دعا إلى ضرورة تعميم التعليم الأولي والتكفل به تنظيرا وممارسة، بالنظر إلى أهمية استثمار الكفاءات المبكرة عند الأطفال صغار السن.
ومن خلال مقارنته لنصوص كتب اللغة العربية بالمدرسة المغربية وخاصة كتب السادس ابتدائي، توصل ذ. رشيد شاكري إلى أنه لا وجود لمعايير موحدة لقياس انقرائية النصوص المكتوبة، وأكد على حاجتنا الماسة إلى معادلات وصيغ رياضياتية تعنى بحساب درجة الانقرائية بالكتب المدرسية تستجيب لخصوصية اللغة العربية وطبيعة الكلمة بها، وإلى برانم ومواقع إلكترونية مبرمجة تتولى قياس انقرائية النصوص العربية لجعلها أكثر ملاءمة للمستوى التعليمي للتلاميذ وفق ضوابط علمية، لأن التوافق بين انقرائية الكتاب ومستويات قراءة التلاميذ يساعد حتما على نجاحھم، وينمي حافزيتهم وإقبالهم على التعلم والمعرفة.
أما على مستوى طرائق تعليم اللغات، فقد رأت د. داليا أحمد بديوي ضرورة تدريب المعلم على الصورة المثلى لصياغة واستخدام الجملة لتكون أبقى أثراً في الذاكرة لدى طلابها، واستخدام الأساليب المباشرة والآنية فى معالجة الجملة نظراً لدقتها في القياس ولأنها تتيح فهماً أكثر عمقاً لخصائص الجملة؛ ولذلك أكدت د. منيرة قنوني على أن تعليم النحو يقوم على اكتساب المتعلم للنحو المسير للسان لا اكتساب علم النحو في ذاته، وأن وعي المدرس بالنحو وعيا علميّا، يجعله متمكـّنا في صناعة التعليم ومن وضع الخطط الموصلة إلى مجاوزة الصعوبات عند المتعلـّم .
وفيما يخص تقييم الإنتاج الكتابي للتلاميذ وخاصة في السلك الثانوي، فقد انتقدت د.نسيمة بوصلاح غياب معيار قياس المهارة الإبداعية و اتسامه بالانطباعية إن وجد، مع تعارض مسألتي السلامة ومسالمة النموذج اللغوي السائد والإبداع الذي يقوم على الخرق، والاعتماد على المعيار الكمي الذي يعتمد على النقاط أو الدرجات.
كما عالج ذ. جمال بلبكاي العوامل المساهمة في ظهور صعوبات تعلم القراءة ورأى أنها قد ترجع إلى المعلم وضعف إعداده الأكاديمي والمهني أو لديه عيوب في النطق، ومنها ما يرجع إلى المتعلم، ومنها ما يتصل بالكتاب المدرسي من حيث سوء الإخراج الفني للكتاب، الطباعة، الورق، الغلاف أو المحتوى...الخ. أو من الأسرة والبيئة التي يعيش فيها المتعلم، كذلك عدم العناية بتشجيع المتعلمين على القراءة الحرة والمطالعة، وغير ذلك من الأمور التي تمثل حاجزًا يحول بين الطفل وبين تقدمه ونجاحه.
وفي نفس السياق، عرض د. بنعيسى بادة نتائج الدراسة التي تم إجراؤها على عينة من التلاميذ الذين يعانون من العسر القرائي "الديسيلكسيا" بالمدرسة المغربية، وعن أهمية البرنامج التدريبي الذي استعان به الباحثون للرفع من المستوى القرائي لهذه الفئة، وقد استخلص أن هناك قصورا في حق هذا الصنف من المتعلمين، داعيا إلى ضرورة الاهتمام بهم، مع العمل على تكثيف الدراسات والأبحاث في هذا المجال وفق السياق المغربي.

ذ. رشيد شاكري



