ولا بد بداية من التذكير بأن اتخاذ قرار الإضراب - الذي يعد الوسيلة الوحيدة في يد الهيئات النقابية للضغط على المشغل - في حد ذاته ليس بالأمر السهل، حيث لا تلجأ إليه إلا مكرهة، فهو "أبغض الحلال إلى النقابة" بتعبير الأستاذ محمد يتيم، وبالتالي فالتنكر لهذا المعطى هو طعنة من الخلف للعمل النقابي بشكل عام، الرامي في عمقه إلى تغيير الوضع نحو الأحسن، من خلال تحسين الوضع المادي، وكذا الاعتباري المعنوي لرجل التربية والتعليم، بالإضافة إلى تحسين ظروف عمله، دون إغفال المطالب المتعلقة بالرقي بالمنظومة التربوية بشكل عام، وهو ما يعود بالنفع الكبير على المتعلم قبل رجل التعليم.
والأكيد أن الترويج للشبهات المذكورة سلفا له أسباب، لكنها لا تبرره بأي شكل من الأشكال.
فالإضراب أصبحت الجهات الحكومية تتعامل معه باللامبالاة في كثير من الأحيان، ناهيك عن التعتيم الإعلامي الذي يواكبه، سواء عند إعلانه بالتجاهل التام، أو بعد تنفيذه، بتقزيم نسب الانخراط فيه، وذلك قصد إلحاق نوع من الهزيمة النفسية بالمضربين، وإيهامهم بأن لا أثر لنضالهم على الواقع، وفي أحيان كثيرة تقوم قناتنا الثانية بذرف دموع التماسيح على مصلحة التلميذ من خلال انتقاء تصريحات موضوعها ضيق الزمن المدرسي، وقرب الامتحانات ...، وهي أكبر المشوشين على الزمن المدرسي والتحصيل الدراسي من خلال برمجة بدعة (استوديو 2M) في عز زمن الامتحانات النهائية والإشهادية في آخر كل موسم دراسي. وللأسف الشديد، فهذا التعاطي الإعلامي- أقصد تقزيم نسب المشاركة والتركيز على عدم استفادة التلاميذ من خصصهم - مع إضراب أسرة التعليم يؤتي أكله، من خلال زعزعة ثقة المجتمع عموما، ورجل التعليم بشكل خاص، في جدوى الإضراب والعمل النقابي.
أما موضوع مصداقية الهيئات النقابية، فهو إشكال آخر، ويكتفي الكثير من مروجيه بإلقاء التهم على العمل النقابي يمنة ويسرة، وتعميم خطاب فساد ذمم النقابيين، وهو ما ينم عن سلبية واستسلام للوضع، دونما تحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ومن المعلوم أن العمل النقابي ضرورة مهنية وحضارية، ولا يصح أن يبقى أي مشتغل بقطاع من القطاعات دون انتماء نقابي، إذ بإمكان أي فرد أن يجد النقابة التي تتبنى خلفيته الفكرية والإديولوجية، مما يحتم المشاركة الإيجابية والانخراط الفاعل في الهيئات والجموع العامة، وذلك لتقويم ما اعوج من ممارسات، ولتطهير الصفوف من الوصوبيين والانتهازيين، أما الكلام الفارغ المتداول على طاولات المقاهي وبعض المنتديات، والذي يكتفي بلعن الظلام، فلن يغير من تردي الواقع شيئا، حيث أن المُخاطبَ الوحيدَ لدى الوزارة الوصية، بنص القانون، هو النقابات، ما دامت حاصلة على التمثيلية، سواء ارتضينا الأمر أو رفضناه، وسواء كانت صالحة أو فاسدة، وهو ما يؤكد نجاعة خيار المشاركة.
وفيما يخص الضرر الذي يلحقه قرار الإضراب بمصلحة المتعلم، فلا بد من الإشارة إلى أن قطاع التعليم يختلف عن غيره من القطاعات، حيث أن المتضرر من الإضراب بشكل مباشر هو المتعلم، قبل أن تحس به الوزارة الوصية إن لم يتبلد إحساسها، بخلاف القطاعات الأخرى (باستثناء الصحة طبعا)، التي تتأثر فيها الجهات الحكومية بشكل مباشر. والنظرُ إليه من هذه الزاوية قد يوهمنا بعدم جدواه، وبِعِظَم الضرر الذي ينتج عنه، في حين أنه ينبغي النظر إليه كذلك من جهة كونه الوسيلة الوحيدة التي بإمكان الهيئات النقابية اللجوء إليها لتحقيق مطالبها، مثلما تحققت الكثير من المكاسب التي أصبح ينعم بها رجل التعليم، بفضل النضالات المشكورة التي نفذتها أسرة التعليم سابقا، والتي دفع الكثير من المناضلين حياتهم وحريتهم ثمنا لها، ولا يتنكر لهذا الأمر إلا جاحد أو جاهل.
وفي هذا المقام، لا بد من التأكيد على أن مصلحة المتعلم ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار، وأدعو من هذا المنبر كل من له غيرة صادقة على المتعلم، أن يبادر إلى تعويض الحصص المبرمجة أيام الإضراب في أوقات فراغه، وهو ما سيمثل نقلة نوعية في التعاطي مع الإضراب، وسيجسد انخراطا واعيا ومسؤولا في الدفاع عن مطالب الأسرة التعليمية، دونما مس أو إضرار بمصلحة المتعلم، الذي كان الأَوْلى بالجهات الوصية على القطاع أن تحرص على مصلحته، من خلال الجلوس إلى طاولة الحوار الحقيقي، لا إلى جلسات الاستماع كما هو الوضع حاليا، وتنفيذ التزاماتها، قصد توفير السلم الاجتماعي، والمناخ المناسب للعمل، ضمانا لأعلى مراتب المردودية والعطاء.
وختاما، لا بد من التقدم بالشكر الجزيل لفريق تربويات، على إتاحته فتح هذه النافذة، التي نطل من خلالها على بعض القضايا النقابية، من باب إبداء الرأي، آملين أن تكون أرضية لتفاعُلٍ ونقاش بناء وهادف، نتوخى من خلاله ترشيد الممارسة النقابية في الحقل التعليمي، واللهَ تعالى نسأل التوفيق والسداد.