نشرت خلال هذا الأسبوع في بعض الجرائد والمواقع الإلكترونية المتتبعة للشأن العام الوطني مقالات تستغرب الطريقة الغريبة التي تعاملت بها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني مع ملفات الترشيح لشغل منصب نائب إقليمي للوزارة منذ إعلان مرسوم الوزير بتاريخ 03 نونبر 2015 والذي بموجبه سيتم التباري على 32 منصب نائب إقليمي الشاغرة إلى يوم استدعاء 26 نائبا من المحظوظين لتلقي تكوين " أو بالأحرى توجيهات " تؤهلهم لتولي هذه المنصب.
وفي الحقيقة لم يعد خافيا على أي أحد من المتتبعين لهذا الملف أن الغموض يلفه من جميع الجوانب. وحتى نفهم سياقات هذا الغموض يجب أن نستحضر مجموعة من المعطيات الدالة لاستجلاء حقيقة الملف. وفي تقديري الشخصي المتواضع ( ابن قطاع التربية والتكوين ـ 10 سنوات في مهمة التدريس بالإعدادي والتأهيلي ـ خريج المركز الوطني لتكوين مفتشي التعليم ، سلك الثانوي التأهيلي فوج 1991 ـ ممارسة مهمة التفتيش التربوي لمدة 25 سنة ..) يمكن أن نفهم بعضا من خبايا هذا الملف إذا استعرضنا الكرونولوجيا التالية :
1 ـ هنالك اتفاق الجميع على شبه انهيار لمنظومتنا التربوية منذ عهد الاستقلال إلى اليوم على الرغم من مختلف المشاريع الإصلاحية " الترقيعية " غير المبنية على أية استراتيجية بعيدة المدى ومحددة لرؤية إصلاحية تدقق مواصفات المواطن المغربي المراد تخريجه من المدرسة الوطنية المغربية .
2 ـ كما يمكن أن نلمس الفشل الذريع الذي آلت إليه مدرستنا الوطنية خاصة خلال العقدين الأخيرين والذي يتحمل الجميع ـ كل من موقعه ـ المسؤولية فيه. ولا داعي لبيان هذه الحقيقة الناصعة ، فتوضيح الواضحات من المفضحات كما يقال .
3 ـ كان أمل المغاربة جميعهم كبيرا في إنقاذ المدرسة المغربية من التردي الذي آلت إليه من طرف حكومة دستور 2011 المعينة في شهر يناير 2012 . لكن ـ مع الأسف الشديد ـ يبدو أن هذا الأمل بدأ يتبخر الآن في الأشهر النهائية المتبقية من عمر هذه الحكومة التي لم تعر الاهتمام الضروري لأكبر قطاع في منظومة قطاعات الدولة والمرتب ثانيا في سلم أولويات المغرب بعد الوحدة الترابية ....
4 ـ في النسخة الأولى من حكومة دستور 2011 كلف الوزير محمد الوفا على رأس هذه الوزارة فأحدث "رجة " و"جعجة بلا طحين "... ثم مضى وجيء في النسخة الثانية من هذه الحكومة بوزير آخر ( رشيد بلمختار ) شاخ في دهاليز المسؤوليات التقنية ولا يستطيع ـ باعترافه ـ أن يتحدث بجملة عربية فصيحة مع العلم أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الأولى دستوريا . كما أنه جرب حظه سابقا وزيرا لنفس القطاع في التسعينيات ولم يفلح في إنقاذ منظومة التربية والتكوين التي كانت آنذاك في بداية انهيارها السريع و"الحسنة / السيئة؟ " التي كتبت له في سجل إنجازاته في الوزارة آنذاك أنه أغلق المركز الوطني لتكوين مفتشي التعليم لمدة 13 عاما، مما جعل منظومتنا التربوية تسير في غالب الأحيان بلا رقيب ولا حسيب...
لنعد الآن إلى السادة نواب الوزارة وفوقهم مدراء الأكاديميات لنحكي شيئا عن قصصهم الغامضة الآن، وآنذاك يمكن أن نفهم ولو بصيصا مما يجري حاليا مع النواب الـ 32 الذين ما زالت نياباتهم الشاغرة تنتظرهم بفارغ الصبر مع العلم أنه نودي فقط بالهاتف على 26 نائبا ممن ساعفهم "حظ التعيين" كما أشارت بعض المنابر الإعلامية ، وبقي مصير 6 نواب المتبقين مجهولا، هذا بالإضافة ـ طبعا ـ إلى أربعة من مدراء الأكاديميات الشاغرة التي تم التباري عليها. ولا ننسى أبدا ـ قبل هذا كله ـ الحركة الانتقالية التي شارك فيها كل النواب الراغبين في تغيير مواقعهم ... ليصبح الجميع النواب القدامى والنواب الجدد ومدراء الأكاديميات القدامى والجدد ... هؤلاء جميعا في طبخة واحدة تغلي في قدر واحدة الله وحده أعلم ـ والراسخون في دهاليز وزارة باب الرواح ـ بما يطبخ فيها أو بالأخرى ما تم طبخه سلفا ... أما الرأي الرأي العام فلا علم من هذا الملف إلا بمرسوم الوزير المطروح في موقع الوزارة يوم 3 نونبر2015 والمتضمن للنيابات الشاغرة وشروط الترشح وأجل وضع الملفات بمقر الوزارة. ما عدا ذلك فهو مجهول إلى حد الآن .....
الحكاية هي ـ في تقديري ـ يمكن إجمالها كالتالي : :
- · مدير الأكاديمية أو النائب الإقليمي هما المدبران والمسؤولان عن شأن التربية والتكوين على مستوى الجهة أو الإقليم. لذا وجب أن تتوفر فيهما شروط ومواصفات أهمها : المؤهل العلمي المعرفي ـ الخبرة والممارسة الميدانية في المجال التربوي بأسلاك المدرسة المغربية ـ الحنكة والخبرة في التواصل مع كل من له علاقة بالمدرسة المغربية ـ رؤية وأفق استراتيجيان استشرافيان لواقع البلد بصفة عامة وواقعه التعليمي والتربوي والتكويني بصفة خاصة ...الخ.
- · كثير من الأكاديميات والنيابات في السنوات الأخيرة تعيش مشاكل واختلالات عدة بسبب سوء التدبير من طرف من يديرون الشأن الإداري والتربوي بها لأنهم ببساطة اختيروا وعينوا سابقا بوصفة " باك صاحبي " وأنا أضيف " خوك صاحبي " أو " عمك صاحبي" أو" خالك صاحبي" أو " نسيبك صاحبي " .... واحتراما للمناصفة أقول أيضا بصيغة المؤنث : " امك صاحبتي " .." اختك ..عمتك..خالتك..نسيبتك... صواحبي " . فهذه الشروط والمواصفات المتحكمة في الغالب في العهد الذي نظن أنه مضى ... لكن مع الأسف الشديد ـ وبعد أن تفاءلنا خيرا بعد مجي حكومة دستور 2011 التي ستعتمد المعايير الصحيحة والنزيهة مثل الكفاءة والتجربة في المجال الإداري والتربوي للتعيين في مثل هذه المناصب وبشفافية ... ـ ها نحن نعود مرة أخرى القهقري أي إلى الوراء حيث التحكم بصيغ مختلفة وفسح المجال لمن هم دون المستوي بكثير في المؤهلات المعرفية والتدبيرية لتختار ملفاتهم ( ملفات الترشيح لشغل منصب نائب إقليمي مثلا ) ويستدعون للمقابلة ، في حين ترمى في القمامة ملفات من أعلى بكثير معرفة وتجربة منهم في القمامة ( أرشيف النسيان والموت ). وحتى أكون واضحا : قارنوا بين ملف مفتش للتعليم الثانوي من الدرجة الممتازة عمل بين أسوار المدرسة والنيابات والأكاديمية لمدة 37 سنة 25 منها بالتفتيش التربوي بعدة نيابات... وبين أستاذ مغمور للتعليم الابتدائي يعين سريعا لسنوات قلائل بمصلحة في نيابات من النيابات ذات الاختلالات الكثيرة في التدبير... ثم يختار ملف هذا الأخير للمقابلة...
( حلل وناقش ). وكما قيل سابقا " في المغرب لا تستغرب".
- · المعايير الأساسية المفروض أن تعتمد بالترتيب لفرز الملفات ( ملفات الترشيح لنائب إقليمي ) في نظري هي :
1 ـ المشروع الشخصي المقترح من طرف المترشح لتدبير النيابة .
2 ـ رسالة التحفيز .
3 ـ السيرة الذاتية للمترشح .
4 ـ هذا بالإضافة إلى وثائق أخرى معززة للملف ( شهادات ـ دبلومات ....)
الراجح عندي ـ من خلال تتبعي للملف من بدايته إلى الآن ـ أن اللجنة المكلفة بالانتقاء الأولي لملفات الترشيح لشغل منصب نائب إقليمي اعتمدت " المعايير التقليدية " التي أشرت إليها سلفا. وأعتقد جازما، لعلمي بكفاءات ومؤهلات مجموعة من الذين دعوا إلى المقابلة في الشهر الماضي أي بعد حوالي أسبوعين من انصرام آخر أجل لإيداع ملفات الترشيح بمقر الوزارة بالرباط ( من 04 نونبر 2015 إلى 19 منه ). والمقابلات لمن "اختيروا في الانتقاء الأولي" وهم " 267 محظوظا "من بينهم 55 سيدة . أما المقابلات فقد أجريت يومي 2 و 3 دجنبر 2015 ، وبشكل غريب لدى بعض من حكوا لنا ما وقع في الــ 30 دقيقة المخصصة لكل مترشح...
وهكذا بقي الجميع ينتظر مسرحية آخر شهر يناير 2016 التي استاء الجميع من هزلها وغرابتها وغموضها ...
لا أريد الاسترسال في الكتابة ... وأقف هنا لأهمس في آذان "كبار مهندسي" وزارتنا وتحت مسؤولية وزيرنا المحترم و" لجانه المحترمة " التي تختار الملفات التي تقدمها لرئيس الحكومة في النهاية ، ثم أتساءل :
- · متى يتم وأد عقلية العهد البائد لنرى النزاهة الشفافية والصدق في دراسة الملفات واختيار الأكفاء لمثل هذه المسؤوليات ؟؟؟
- · أليس من حق رئيس حكومتنا أن يطلع على تفاصيل هذا الملف من بدئه إلى منتهاه ( لائحة جميع من وضعوا ملفاتهم من 04 إلى 19 نونبر 2015 بمعلوماتهم المختصرة وجهاتهم وتخصصاتهم... ـ لائحة وهويات من اختيروا للمقابلة الشفوية بنفس المعلومات والشبكات المعتمدة في المقابلات الشفوية ـ لائحة من اختيروا في النهاية ...؟؟؟ ).
- · أهمس أخيرا في أذني رئيس حكومتنا الموقرة قائلا : لا نريد مرة أخرى أن نسمع عبارة " ما فراسيش " لأن هذا الملف في نظرنا من الملفات الكبرى التي له الحق في فحصه جيدا قبل التوقيع على قرارات التعيين ...
اللهم إني قد بلغت ... اللهم فاشهد من علياء سمائك ....
الأحد 20 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق لـ 31 يناير 2016 م .
مفتش تربوي للتعليم الثانوي التأهيلي ـ الدرجة الممتازة ـ