بداية، لا بد من التوقف عند المحطة النضالية الجهوية التي أعلنها ونفذها التنسيق النقابي الرباعي خلال الأيام القليلة الماضية، والتي لقيت نجاحا وتجاوبا كبيرين. ففضلا عن انخراط ثلاثة أرباع الأسرة التعليمية بالجهة في الاحتجاج على ما يعرفه تدبير القطاع بالجهة من تسيب وارتجالية في مختلف المجالات، كانت أولى مؤشرات نجاحها، الحضور المكثف لنساء ورجال التعليم للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية أمام مبنى الأكاديمية، حيث حجت أعداد غفيرة من أعضاء الهيئات النقابية الأربع، ليس فقط من الأقاليم القريبة من مركز الجهة، بل كذلك من مناطق بعيدة، كجبال تافراوت، وأعالي جبال تارودانت، وورزازات، وغيرها من المناطق النائية. والمتأمل لهذا الأمر وحده سيحس لا محالة بالفخر والاطمئنان، ذلك أن بعض القيم التي تأسس عليها العمل النقابي بكل توجهاته، والتي ظنناها قد انقرضت أو في طور الانقراض، تعلن عن نفسها من جديد، خاصة وأن الظروف الطبيعية كانت استثنائية بكل ما للكلمة من معنى، حيث غزارة الأمطار، وبعد المسافات، وانقطاع الكثير من الطرق والمسالك بسبب الفيضانات، إلا أن الإصرار في تجاوزها والتغلب عليها كان أكبر....لكن المحطة عرَّت أيضا عن ظاهرتين سلبيتين تهددان الجسم النقابي، ينبغي التوقف عندهما، والحسم معهما، حتى تستعيد المحطات النضالية هيبتها ومصداقيتها. أولى الظاهرتين، تتجلى في عدد لا يستهان به من المشاركين في الإضرابات، وهم بعيدون كل البعد عن الهيئات النقابية، وعن الملفات المطلبية التي ترفعها، ولا يهمها من الإضراب إلا عدد أيامه، لتضيفه إلى لائحة العطل السنوية. وهو نموذج لا يشرف العمل النقابي على الإطلاق، مثلما لا يشرف الانتماء إلى الحقل التعليمي برمته، إذ كيف سيكون رده لو سئل عن دواعي انخراطه في إضراب لا يعلم سوى عدد أيامه، بل يصل به الأمر إلى استنكار برمجته بعيدا عن نهاية الأسبوع. وفي رأيي المتواضع، ينبغي على الهيئات النقابية أن تتوقف عن معارضتها لتنفيذ قرار اقتطاع أجرة أيام الإضراب من الراتب، وهو الأمر الذي سيمكنها من التخلص من هذه الكائنات "الإضرابية"، مثلما سيعطيها صورة واضحة عن حجمها الحقيقي في الساحة التعليمية، لتشمر عن سواعدها من أجل توسيع العضوية، وتفعيل وظائفها المعطلة. أما الظاهرة الثانية، فهي الأفظع، وهي من عناوين هذا الزمن النقابي المتردي، ذلك أن عددا من المنتسبين للهيئات النقابية المعلنة للإضراب، تقاعست عن الانخراط فيه، لأسباب أقل ما يقال عنها أنها واهية، من قبيل سوء اختيار النقابات لتوقيت الإضراب، وطول المدة المعلنة، والاحتجاج على أمور لا تعني رجل التعليم من قريب ولا من بعيد كسوء التدبير المالي !!!... (وكأن من قرروا الإضراب وافدون من كوكب آخر). ويزداد الطين بلة إذا تعلق الأمر بأعضاء الهيئات المجالية للنقابات (إقليميا أو محليا)، أو مسؤولي بعض الملفات والتنسيقيات، أو المناديب ...وهؤلاء، على قلتهم، يتسببون في تشويش بالغ على المحطات النضالية، ويطعنون في هيئاتهم من حيث لا يشعرون، وذلك باعتبار صفاتهم النقابية. وحتى لا نسيء بهم الظن، أقول بأنهم لو أدركوا حجم تعبئتهم المضادة، وقيمة الخدمة المجانية المقدمة للإدارة، لكان لهم موقف آخر. وما ينبغي أن يعرفه هؤلاء الأخوات والإخوة، هو وقوعهم في تناقض صارخ بين الانتماء للهيئة، وعدم تنفيذ قراراتها، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق. ولسنا هنا بصدد مصادرة الحق في الاختلاف داخل التنظيم، ولا بصدد الدعوة إلى قولبة الآراء والتبعية العمياء، إلا أن الثقافة التنظيمية تقتضي تنفيذ قرار الهيئة، ما دام الفرد قد انتمى إليها بمحض إرادته، مرتضيا توجهاتها الفكرية وخطها النضالي، وشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في انتخاب الهياكل المتخذة للقرار، مهما كانت مستوياتها التنظيمية. كما أن حق النقاش وإبداء الرأي مكفول داخل كل التنظيمات، ما لم يُتَّخَذِ القرار، عملا بالقاعدة التنظيمية المعروفة "الرأي حر والقرار مُلزم". وَوِفْق هذا المنطق، فالمعنيون مدعوون إما إلى تجميد عضويتهم، ليصبحوا في حِل من التزامات التنظيم، أو الالتزام بعدم تكرار هذه المهزلة. أما الهيئات النقابية من جانبها، فمدعوة إلى الحرص على العضوية النوعية، والانتماء الفاعل، المُبصِر بحقوقه وواجباته داخل التنظيم. كما أن الأوان قد حان لتفعيل مساطر المحاسبة، وإعادة تأهيل العضوية والشأن التنظيمي داخل الهيئات النقابية. وختاما، وجب التذكير بأن الظاهرتين المذكورتين لا تختزلان بالتأكيد ما تراكم من ظواهر أصابت الجسم النقابي التعليمي في عافيته، إلا أن المَقام وحدثَ السَّاعةِ أمليا تناولهما والتوقف عندهما.