بقلم خالد أوعبو
عرف المغرب طيلة تسعينيات القرن الماضي أحداثا ووقائع كادت تهز عرش استقراره السياسي, فمن المراجعة الدستورية لسنتي 1992 و 1996، إلى المخاض السياسي الذي سبق تشكيل حكومة التناوب، والحديث عن السكتة القلبية التي تتهدده , ووفاة الملك الحسن الثاني واعتلاء محمد السادس العرش, والحديث عن التحول الديمقراطي، وصعود نجم العلمانية وكذا حركات سياسية وجمعوية تنادي بتحرير المرأة وإدماجها في التنمية... في هذا السياق دعا الملك الشاب إلى الإسراع بالقيام بمجموعة من الأوراش الإصلاحية في مختلف القطاعات أولها قطاع التربية والتكوين. فكلف مستشاره ؛الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه؛ بتشكيل لجنة خاصة بالتربية والتكوين ؛مارس 1999 ؛ لبلورة ميثاق وطني للتربية والتكوين يشكل قاطرة للنهوض بالتعليم، الذي يشكل بدوره الأساس الذي يقاس به رقي الأمم وتقدمها.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نشد بحرارة على أيدي اللجنة، لما حققته "في ظرف وجيز" من إجماع وطني حول وثيقة المنهاج.
ورغم إقرارنا بأهمية هذه الوثيقة وقيمتها في هذه المرحلة الحاسمة، إلا أنها تبقى نتاجا بشريا وهذا الأخير يعترضه القصور، وبالتالي فمن حقنا أو بالأحرى من واجبنا التنبيه إلى بعض الأخلال التي قد تعتري هذه الوثيقة، باعتبارنا سائرين في درب التخصص أولا، وباعتبار انعكاس تجلياتها في الواقع على مستقبل أبنائنا، وباعتبارنا حلقة مهمة في تصريف المنهاج الدراسي المنبثق عنها، كممارسين في الميدان وبالتالي الأقرب لرصد ثغراتها .
والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين مشروعا تربويا، أم مجرد رؤية طموحة لما ينبغي أن يكون عليه جيل المستقبل؟
إن من أهم الأسس التي يجب أن يتصف بها المشروع هو الواقعية والقابلية للتحقق، الأمر الذي لا ينطبق على الميثاق. فكيف يمكن تعميم تعليم ابتدائي جيد مثلا ؛حسب المادة 28 من الدعامة الأولى؛ في أفق 2004، مع إدراك واضعي الميثاق بأن لا البنية التحتية ولا الموارد البشرية كافية لاستيعاب العدد الهائل للتلاميذ وبالتالي فإن التعميم ؛إن تيسر؛ فلا يمكن إلا أن يكون على حساب الجودة؟ وكيف يمكن تعميم التعليم الأولي ونحن عاجزون عن توفير مقاعد لتلاميذ التعليم الابتدائي؟ كيف أمكن للجنة الحديث عن التكوين بالتمرس وبالتناوب ؛حسب المادة 49 ؛ دون استشارة المقاولات وضمان موافقتها؟ وإن كانت فعلت فلماذا تعرقل الأمر؟ هل الميزانية المرصودة للقطاع كافية لتحقيق الأهداف المسطرة في الميثاق؟ وغيرها من الأسئلة التي تبين أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين يبقى مجرد رؤية طموحة لنخبة أرادت أن ترسم خارطة طريق للارتقاء بالمنظومة التربوية لكنها أخطأت تقدير آجال تحقيق هذا الطموح وتكلفته.
الميثاق ومسألة المرجعية
يحدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين في قسمه الأول المبادئ الأساسية التي تتأسس عليها المنظومة التربوية مبرزا أن العقيدة الإسلامية هو المبدأ الأساس الذي يهتدي به نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية، دون الإشارة إلى أية مرجعية أخرى سواء في المرتكزات الثابتة أو الغايات الكبرى في انتصار كبير للمرجعية الإسلامية، لكنه يشير في مادته 11 ضمن حقوق وواجبات الأفراء والجماعات ؛تعريضا؛ إلى احترام الحقوق والمبادئ المصرح بها في المواثيق الدولية في مرافق التربية والتكوين في إشارة إلى "المرجعية الكونية لحقوق الإنسان". بينما تشير الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجهات التربوية أن القيم التي تم إعلانها كمرتكزات ثابتة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين تتمثل في:
- قيم العقيدة الإسلامية
- قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.
فهل معنى هذا أن هناك تناقضا بين الوثيقتين؟ أم حدث تراجع مكسبي في اعتبار العقيدة الإسلامية هي المرتكز الأساس للمنظومة التربوية؟
بالإضافة إلى تساؤلات أخرى من قبيل:
- أين وصلت مسألة التكوين بالتمرس والتكوين بالتناوب بين المدرسة والمقاولة، حسب الدعامة الأولى من الميثاق؟ أليست الدعوة إلى تقوية التوجيه إلى الشعب العلمية والتقنية لتمثل الثلثين حسب نفس العامة تبخيس لشعب العلوم الإنسانية؟
- لماذا لم تتم العناية بالقدر الكافي بالتعليم الأولي والذي يعتبر بإجماع الخبراء المرحلة التي يتأسس عليها كل نجاح مستقبلي؟
- لماذا لم يتم العمل بالمادة 100 من الدعامة السادسة، والتي تدعو إلى استبعاد العمل بنسبة النجاح المحددة مسبقا كشرط للانتقال من سلك لآخر؟
- هل حقق الإصلاح فعلا مبادئ التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف كما جاء في المجال الثالث؟
- لماذا لم يتم تأسيس أكاديمية للغة العربية لحد الآن ؟ بناء على المادة 113 من الدعامة التاسعة؟
- ألم يكن قرار الوزير السابق بإلغاء الثانويات النموذجية ؛كما حددها الميثاق في المادة 123؛ قرارا انفراديا يذكرنا بمجموعة من القرارات التي تنبت كما ينبت الفطر بعد المطر، كروائز الحبيب المالكي وإدماج اخشيشن؟
- لماذا لم يتم إحداث أقسام تحضيرية في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية كما جاء في المادة 124 من الدعامة 11؟
- هل تحقق تنبؤ معدي الميثاق في بلوغ ميزانية البحث العلمي في نهاية العشرية %1 من الناتج الداخلي حسب المادة 128 من الدعامة 11 دائما؟
- هل التمزمت الحكومات المتعاقبة بمعايير الجودة المحددة في المادة 133 من الدعامة 13 والمتمثلة في: التكوين الأساسي الرفيع، والتكوين المستمر الفعال والمستديم، والوسائل البيداغوجية الملائمة، والتقويم الدقيق للأداء البيداغوجي؟
- لماذا حدد الميثاق الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة ؛حسب الدعامة 14؛ في ذوي الإعاقات، متغافلا عن الأطفال الموهوبين؟ ألا يعتبر هؤلاء أيضا من ذوي الحاجات الخاصة؟
- هل يتم فعلا احترام شروط البنايات الجديدة حسب المادة 160 من الدعامة 17؟ وهل تتم متابعة قانونية للمخلين بهذه الشروط؟
- وأخيرا هل تم فعلا تحقيق الرهانات النوعية إلى جانب الرهانات الكمية حسب المادة 167 من الدعامة 19؟ أم تم التركيز على الثانية على حساب الأولى؟
هذه مجموعة من التساؤلات تتبادر إلى ذهني كلما صادفت حديثا عن الإصلاح التربوي ببلادنا، نابعة من ممارس غيور، يدرك أتم الإدراك أن الاستثمار في العنصر البشري هو التجارة الأكثر درا للأرباح ، والضامن الأكبر لتنمية مستدامة حقيقية.