تارودانت ...تقديم و توقيع كتاب '' تراتيل الأقنعة '' للكاتب الدكتور عبد الرحيم الخلادي
عبد الجليل بتريش
شهد المركب الثقافي بمدينة تارودانت مساء يوم السبت 23 ماي 2026 ، فعاليات حفل تقديم وتوقيع المجموعة القصصية الجديدة للأديب الدكتور عبد الرحيم الخلادي. هذا الملتقى المتميز والذي نظمته "مكتبة سرتي" بمدينة تارودانت، بتعاون مع وزارة الشباب و الثقافة و التواصل – قطاع الثقافة ،كان من تقديم الأستاذ محمد الرحيمي الذي قدم قراءة نقدية لهذه المجموعة القصصية، وذلك مباشرة بعدما وقعها الكاتب بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط بداية ماي الجاري .
فبعد تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وترديد النشيد الوطني، افتتح اللقاء الأخ خالد سرتي " مكتبة سرتي "، بكلمة ترحيبية مذكرا بالسياق العام لهذا الملتقى، والذي يسعى من خلاله إلى مواصلة دعم و تشجيع الثقافة بالإقليم.
وفي السياق ذاته، أسهم الحفل في إثراء المشهد الأدبي المحلي بقراءة نقدية رصينة ومعمّقة، أنجزها الأستاذ محمد الرحيمي، الذي اضطلع بتقديم المجموعة القصصية وتحليل أبعادها الفنية والدلالية من زوايا متعددة ومتكاملة، شملت المحاور الآتية:
أولاً: قراءة في العناوين
توقّف الأستاذ الرحيمي عند عتبة العناوين بوصفها مدخلا أساسيا لفهم المجموعة القصصية، إذ كشف كيف أن عنوان "تراتيل الأقنعة" يحمل في طياته شحنة دلالية مكثّفة، تجمع بين البُعد الطقوسي الذي توحي به "التراتيل"، والبعد الفلسفي الذي تستدعيه "الأقنعة"، مُشيرا إلى أن هذا التوتر بين الظاهر والمضمر يسري في عروق النصوص جميعها، وأن الكاتب وظّف العناوين الداخلية للقصص توظيفا واعيا يغري القارئ ويدفعه إلى التساؤل قبل الولوج إلى متن الحكاية.
ثانيا: التجريب السردي في القصة
تناول الأستاذ الرحيمي بالتحليل الجانب الفني والتقني في المجموعة، مُسلِطا الضوء على مظاهر التجريب السردي التي اعتمدها الدكتور الخلادي في بناء قصصه، من حيث توظيف تعدد الأصوات السردية، والكسر المتعمد للخطية الزمنية، واللجوء إلى تقنيات الحوار الداخلي والمونولوج الكاشف، فضلاً عن المزج الخلاق بين الواقعي والرمزي في نسج الأحداث. وقد أكد الناقد أن هذا التجريب لا يقع في فخ الغموض المعتم، بل يظل في خدمة الدلالة وتعميق تجربة القراءة.
ثالثاً: مظاهر زيف الأقنعة في قطاع التربية والتعليم
خصّص الأستاذ الرحيمي حيزا بارزا في قراءته للحديث عن الحضور اللافت لعالم التربية والتعليم في المجموعة، حيث رصد كيف يُشرّح الدكتور الخلادي بجرأة أدبية واضحة ظاهرةَ الازدواجية والنفاق المؤسسي داخل الفضاء التعليمي، كاشفا عن الهوة السحيقة بين الخطاب التربوي الرسمي والممارسة الفعلية اليومية. وأشار الناقد إلى أن الكاتب يُجسّد شخصياتٍ تتخفّى وراء أقنعة الفضيلة والمهنية، بينما تُضمر في دواخلها مصالح ضيقة وسلوكيات تناقض القيم التي تدعي الدفاع عنها، مما يجعل من هذه المجموعة شهادة أدبية حية على اختلالات عميقة تعيشها المنظومة التعليمية.
رابعاً: موضوعات وشخوص وعوالم المجموعة
ختم الأستاذ الرحيمي قراءته بجولة شاملة في فضاءات المجموعة القصصية وعوالمها المتنوعة، مُوضِّحا أن الدكتور الخلادي يرسم خريطةً إنسانيةً ثرية تتقاطع فيها شخصيات من مختلف الشرائح الاجتماعية، كلها تجمعها معاناة مشتركة من وطأة الأقنعة الاجتماعية والمهنية. وأبرز الناقد كيف تتشابك في هذه المجموعة موضوعات الهوية والاغتراب والزيف والبحث عن الذات الحقيقية، في عوالم سردية تستمد من الواقع المغربي المعاش دون أن تفقد بُعدها الإنساني الكوني.
و قد خلص الأستاذ محمد الرحيمي في نهاية قراءته إلى أن مجموعة "تراتيل الأقنعة" تُمثّل إضافة نوعية للمكتبة القصصية المغربية، إذ تجمع بين الجرأة في الطرح والرهافة في الأسلوب، وتكشف عن كاتب يمتلك رؤية نقدية واضحة للمجتمع وأدواتٍ فنية متمكّنة للتعبير عنها.
وقد شكّل الحفل محطة ثقافية بارزة جمعت المبدع بقرائه وبالمهتمين بالشأن الأدبي في فضاء تواصلي راقٍ، يُعلي من قيمة الكتاب ويحتفي بالإبداع المغربي الأصيل.
وعلاقة بالموضوع، وبالمناسبة أدلى لنا الكاتب الدكتور عبد الرحيم الخلادي بالتصريح التالي : " رغم تصادف موعد اللقاء مع أجواء الاستعداد لعيد الأضحى، وكذا موجة الحرارة، إلا أن التفاعل النوعي للحاضرين،وحسن التنظيم ساهما بقوة في صياغة لوحة جميلة، ألوانها القراءة الرصينة للأستاذ الرحيمي، والمناقشة الراقية للحضور، وثقافة الاعتراف.وتبقى المجموعة القصصية "تراتيل الأقنعة" محطة إبداعية حاولتُ فيها نقل مشاهد وقضايا من مختلف فضاءات الاشتغال في حقل التربية والتعليم والتكوين، بمنطق إبداعي فني لا يعتمد النسخ والتصريح، بل النقد والتلميح، ليجد كل المتدخلين من أساتذة وإداريين ومفتشين ومسؤولين وغيرهم ذواتهم في نسيج هذا النص، وهدفي هو استفزاز القراء قصد التأمل العميق في العديد من القضايا والرسائل.في الختام أشكر كل من ساهم في إنجاح هذا اللقاء ، من طلبتي الأساتذة، وزملائي من أطر التربية والتكوين، والإعلام، وغيرهم، وكذا مكتبة سرتي التي تظل وفية لخط العطاء والإبداع والتنوع ".