بقلم، عبد العزيز سنهجي
أصبح التكوين المستمر أحد المرتكزات الأساسية لتطوير الرأسمال البشري ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي يعرفها عالم اليوم. فالتعلم لم يعد يقتصر على مرحلة دراسية محددة، بل تحول إلى مسار يمتد طيلة الحياة المهنية، يهدف إلى تجديد الكفايات وتعزيز قابلية الأفراد للتكيف مع المتغيرات المتسارعة. وفي هذا السياق، راهن المغرب منذ عقود على تطوير منظومة للتكوين المستمر من خلال إرساء آليات قانونية ومؤسساتية وتمويلية متعددة. غير أن الرأي الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مؤخرا حول التكوين المستمر في القطاع الخاص يكشف أن هذه المنظومة، رغم ما راكمته من مكتسبات، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية تحد من فعاليتها وتضعف أثرها على الأفراد والمؤسسات. ومن ثم، يطرح هذا الواقع سؤالا مركزيا يتعلق بمدى قدرة السياسات العمومية الحالية على جعل التكوين المستمر رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يكتسي الرأي الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بعنوان "التكوين المستمر في القطاع الخاص: إصلاح استعجالي لتيسير استفادة العاملات والعاملين وولوج المقاولات" أهمية خاصة، باعتباره وثيقة تشخيصية واستشرافية ترصد واقع منظومة التكوين المستمر بالمغرب، وتكشف عن أهم اختلالاتها البنيوية، وتقترح جملة من التدابير الرامية إلى إرساء منظومة أكثر نجاعة وإنصافا وقدرة على الاستجابة لحاجيات الاقتصاد الوطني. وقد صادقت الجمعية العامة للمجلس على هذا الرأي خلال دورتها المنعقدة بتاريخ 25 مارس 2026.
التكوين المستمر بين الطموح والواقع: لا شك أن المغرب قطع أشواطا مهمة في مجال التكوين المستمر، سواء من خلال تخصيص موارد مالية مهمة أو عبر تطوير إطار قانوني يسعى إلى توسيع قاعدة المستفيدين. كما أن مساهمة التكوين في مواكبة قطاعات استراتيجية كصناعة السيارات والطيران تؤكد دوره في دعم التنافسية الاقتصادية. غير أن المؤشرات التي قدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تكشف مفارقة لافتة. فبالرغم من وجود أكثر من ثلاثمائة ألف مقاولة خاضعة لرسم التكوين المهني، لم تستفد سوى نسبة ضئيلة جدا من برامج التكوين المستمر. كما أن آلية التصديق على مكتسبات التجربة المهنية ظلت محدودة الأثر رغم أهميتها في تثمين الخبرات المهنية غير المعترف بها أكاديميا. وهو ما يدل على أن الإشكال لا يرتبط بغياب المنظومة بقدر ما يرتبط بضعف قدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة وتحقيق الأثر المنشود. إن هذه المؤشرات تدل على أن الإشكال لم يعد مرتبطا بوجود التكوين أو غيابه، وإنما بمدى نجاعته وقدرته على الوصول إلى الفئات المستهدفة وتحقيق الأثر المنتظر.
أزمة حكامة أكثر من أزمة موارد: تكشف قراءة متأنية للرأي أن مكمن الخلل لا يكمن فقط في محدودية التمويل، بل في طبيعة الحكامة المعتمدة. فتعقيد المساطر الإدارية، وطول آجال التعويض، وتعدد المتدخلين، كلها عوامل تجعل الاستفادة من التكوين عملية مرهقة بالنسبة للمقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها. ويبرز هنا تناقض واضح بين فلسفة التكوين المستمر باعتباره حقا مهنيا وبين واقع الممارسة الذي يجعله أحيانا امتيازا لا يستفيد منه إلا عدد محدود من الفاعلين. كما أن تأخر إصدار النصوص التطبيقية للقانون المنظم للتكوين المستمر يطرح تساؤلات حول قدرة السياسات العمومية على الانتقال من مرحلة التشريع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة المجلس إلى إحداث هيئة وطنية مستقلة للتكوين المستمر محاولة لتجاوز منطق التدبير الإداري التقليدي نحو منطق حكامة أكثر وضوحا ونجاعة ومساءلة.
إشكالية الإنصاف المجالي والاجتماعي: من بين أهم القضايا التي يثيرها الرأي مسألة العدالة في الولوج إلى التكوين. فتمركز أغلب هيئات التكوين والخبراء داخل محور الدار البيضاء يحد من استفادة المقاولات والعاملين في باقي الجهات، ويكرس الفوارق المجالية بدل تقليصها.
كما أن اشتراط الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للاستفادة من بعض آليات التكوين يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من العمال المستقلين وغير الأجراء. وهكذا يتحول التكوين المستمر من وسيلة لتحقيق الإدماج الاجتماعي والمهني إلى آلية قد تعيد إنتاج بعض أشكال التفاوت. إن التكوين المستمر لا يمكن أن يؤدي وظيفته التنموية إلا إذا تم النظر إليه باعتباره حقا لجميع العاملين، وليس خدمة موجهة لفئات محددة فقط.
من منطق تدبير التكوين إلى منطق بناء الكفايات المهنية: لعل أهم ما يميز الرأي هو انتقاله من التركيز على التكوين كغاية في حد ذاته إلى التركيز على الكفايات باعتبارها النتيجة المنتظرة من التكوين. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الدورات المنظمة أو عدد المستفيدين منها، بل في مدى مساهمة هذه الدورات في تطوير الأداء المهني وتحسين فرص الاندماج والترقي.
ومن هنا تبرز أهمية آليات الاعتراف بمكتسبات التجربة المهنية والتصديق عليها، لأنها تعكس تحولا في النظرة إلى التعلم، من التعلم المرتبط بالشهادة إلى التعلم المرتبط بالكفاءة والخبرة. غير أن محدودية عدد المستفيدين من هذه الآلية تكشف أن هذا التحول لم يكتمل بعد.
كما أن التقرير يبرز بوضوح الحاجة إلى بناء إطار مرجعي وطني للكفايات، يسمح بتوحيد معايير الإشهاد والاعتراف بالمهارات، ويجعل من الكفاءة المهنية محور المنظومة التكوينية بدل التركيز على الجوانب الإدارية والإجرائية فقط.
الرقمنة كفرصة للإصلاح: تشكل الرقمنة إحدى أهم التوصيات التي جاء بها المجلس. فإحداث منصة رقمية وطنية للتكوين المستمر من شأنه أن يساهم في تبسيط المساطر، وتحسين الولوج إلى المعلومات، وتسريع عمليات التمويل والتعويض. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بقدرته على تجاوز الفهم التقني الضيق للرقمنة. فالمنصة الرقمية لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة لتدبير الملفات، بل أداة للقيادة الاستراتيجية وإنتاج المعطيات وتتبع الأداء وتقييم السياسات العمومية وتجويدها. كما أن اعتماد التكوين عن بعد والتكوين الهجين والتكوينات القصيرة يمثل توجها واعدا من شأنه أن يوسع قاعدة المستفيدين ويستجيب لإكراهات الزمن والعمل والتنقل، خاصة بالنسبة للفئات المهنية التي يصعب عليها الالتحاق بالتكوينات الحضورية التقليدية.
في الختام، يبرز الرأي الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن التكوين المستمر بالمغرب يقف اليوم عند مفترق الطرق. فبينما تم تحقيق مكاسب مهمة على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، ما تزال تحديات الحكامة والإنصاف والنجاعة تحد من الأثر المنتظر لهذه المنظومة. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على توسيع العرض التكويني أو تعبئة موارد إضافية، بل يقتضي إعادة التفكير في فلسفة التكوين نفسها، والانتقال من منطق البرامج والأنشطة إلى منطق هندسة الكفايات ومساءلة النتائج والأثر.
وتؤكد الخلاصات التي انتهى إليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن إصلاح التكوين المستمر لم يعد خيارا قطاعيا معزولا، بل أصبح ورشا استراتيجيا مستعرضا يهم مستقبل الرأسمال البشري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب. ومن ثم، فإن نجاح هذا الورش يظل رهينا بالقدرة على الانتقال من منطق تدبير برامج التكوين إلى منطق هندسة الكفايات، ومن منطق تمويل التكوين إلى منطق الاستثمار في الأثر والنتائج.
بهذا المنطق، لن يعود التكوين المستمر مجرد أداة لتحسين المهارات، بل استثمارا استراتيجيا في الإنسان وفي القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ورافعة أساسية لبناء مجتمع التعلم مدى الحياة.
المرجع:
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2026). التكوين المستمر في القطاع الخاص: إصلاح استعجالي لتيسير استفادة العاملات والعاملين وولوج المقاولات. رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، صادقت عليه الجمعية العامة للمجلس بتاريخ 25 مارس 2026. الرباط.