ذ. نصر الله البوعيشي
اشتهر المغاربة بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة في مجالات التعاون والتكافل والتضامن والمستمدة من الشريعة الإسلامية السمحاء التي من أهم مبادئها تحقيق روح والتعاون والتكافل الاجتماعي والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والتضامن تحقيقا للأمن والأمان الاجتماعي في المجتمع.
إلاّ أنّ نمط الحياة المعاصرة ومتطلّباتها أحدث تغييرًا واضحًا في القيم والمعايير وأنواع العلاقات الاجتماعيّة. هذا التغيير يطرح تحدّيًا لمختلف مكوّنات المجتمع وهيئاته ومؤسّساته بما فيها التربويّة لمواجهة المتغيّرات والتصدّي للمتطلّبات بشكل تشاركي وتعاوني يتلاءم مع طبيعتها، ويحيي قيمًا وعادات متوارثة تشكّل جزءًا مهمًا من هويّتنا وثقافتنا الوطنيّة ويعزّز انتماءنا الاجتماعي والوطني والإنساني.
وتشكّل المدرسيّة بيئة مناسبًة لترسيخ قيم التعاون والتضامن والتكافل ، إذ أن عملية التربية لا يجب ان تقتصر فقط على النقل المباشر للمعارف وتعليمها، كما ان قيم التكافل والتضامن لا يمكن تحفيظها للتلاميذ في شكل منظومات أو أراجيز. بل يجب أن تبذر هذه القيم في نقوس المجتمع المدرسي من خلال إشاعتها في الحياة المدرسية وفي العلاقات التربوية بين الأساتذة والتلاميذ على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية ، لإنّ اعتبار التربية المدرسيّة، تربية تهدف فقط إلى إغناء معارف التلميذ من دون استثمارها في حقل الواقع، يعتبر إجهاضًا لدور التربية المدرسيّة ووظيفتها، ولا يتلاءم بالتالي مع الأدوار التي أناطها المجتمع بها والتي يمكن اجمالها في :
• تنمية شخصيّة التلميذ كفرد وكعضو صالح ومنتج في المجتمع.
• توعيته على المشاركة في العمل الاجتماعي كحقّ له وواجب عليه تجاه مجتمعه ووطنه.
• تكوين شخصيّته الفرديّة وتحقيق ذاته وتحمّل مسؤوليّته والالتزام الأخلاقي والتعامل مع الاخرين بروح المواطنّة المسؤولة والمشاركة الإنسانيّة.
• ممارسة القيم والمبادئ الأخلاقيّة والوطنيّة واحترام الفرد وترسيخ أسس التماسك والتعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المدرسي
لقد أتاحت نيابة وزارة التربية الوطنية بالعيون بمبادراتها جمع التبرعات لأسر ضحايا فاجعة طنطان التي دعت اليها واشرفت عليها فرصة بروز مشاعر التضامن والتعاون والتكافل الفطرية الكامنة في الناشئة كما أعطت هذه المبادرة للتربية المدرسيّة معناها الحقيقي والواقعي، وتعتبر عملية جمع التبرعات ، حسب ما جاء في كلمة السيد النائب الإقليمي ، شكلا من اشكال مواساة اسر الضحايا من التلاميذ و ليست هدفا في حد ذاتها - رغم أهميتها في التخفيف من المعاناة - بل هي مظهر متقدّم من مظاهر الانتماء إلى الجماعة والوطن، تتحقّق من خلاله إنسانيّة تلامذتنا و تترسّخ مبادئ التكافل والتضامن الاجتماعيين في صفوف المجتمع المدرسي .
وقد اسفرت محصلة هذه العمليات عن مبلغ مجموع التبرعات :09 926 127 درهم
مبالغ المساهمة من اليمين الى من اليسار الى اليمين:
موزعة على الشكل الأتي :
مساهمات مؤسسات التعليم الابتدائي العمومي :
90 315 066 درهم
مساهمات مؤسسات الثانوي بسلكيه :
00 567 025
مساهمات مؤسسات التعليم الخصوصي :
00 657 035
وقد عقد السيد النائب الإقليمي يوم الثلاثاء 12 ماي 2015 لقاء حضره بعض رؤساء المؤسسات التعليمية تم خلاله حصر المبلغ المتحصل ومساهمة كل مؤسسة كما تم الاتفاق على كيفية توزيعه على اسر الضحايا حسب حالة ووضعية كل منها .ويوم الأربعاء 13 ماي 2015 التأمت على الساعة 6 مساء بقاعة الاجتماعات بالنيابة اللجنة الإقليمية الموسعة التي تضم بالإضافة الى مدراء المؤسسات التعليمية التي كان ضحايا فاجعة طنطان يتابعون دراستهم بها ، أمهات وأباء وأولياء الضحايا ، وبعد الدعاء بالرحمة والمغفرة للضحايا والشفاء العاجل للذين لا زالوا يتابعون العلاج وضع السيد النائب الحاضرين في صورة المبالغ المتحصلة وعرض امامهم مساهمة كل مؤسسة من المؤسسات المساهمة واخبرهم بالقرار الذي اتخذته اللجنة الإقليمية المكلفة في شان كيفية توزيع هذه التبرعات على المستفيدين منها من أولياء التلاميذ وسلم المبالغ المتفق عليها وأكد ان الهدف من هذه المبادرة ليس ماديا بل ان الغاية منها هو إبراز العمل الانساني النبيل وتنمية الحس المواطناتي والسلوك المدني الايجابي من خلال فسح المجال أمام انخراط جميع التلميذات والتلاميذ المتمدرسين بالمؤسسات العمومية والخصوصية والموظفين وجمعيات الإباء للتعبير عن تضامنهم مع الضحايا ومساعدة أسرهم على تجاوز هذه الظروف النفسية الصعبة .
وانفض الاجتماع بقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء والدعاء بالشفاء العاجل للأطفال الذين لا زالوا تحت العلاج .
في الختام يجب لفت النظر إلى أن إحلال القيم الديمقراطية والتربية على حقوق الإنسان وترسيخ قيم المواطنة والتكافل والتضامن في الجو المدرسي لا ينبغي أن يكون ظرفيًا، محكومًا بمناسبات خاصة، كما هو سائد اليوم في أكثر مدارسنا، بل يجب أن يتم بصيرورة مستديمة تعبر بصدق عن انفتاح المدرسة وارتباطها بالتغيرات الاجتماعية.


