1 ـ ما قبل عملية الافتحاص التربوي:
نظرا لما يشكله الافتحاص التربوي من أهمية بالغة في الإصلاح والتطوير والتجويد للنظام التعليمي ، فقد تمّ التأكيد عليه بشكل صريح أوضمني في مختلف الأدبيات التربوية الحديثة : انطلاقا من " ميثاق التربية والتكوين " وذلك من خلال حديثه عن الجودة في المجال الثالث ، والأكثر من ذلك فالقسم الثاني المعنون ب " مجالات التجديد ودعامات التغيير " خصّص للجودة الشاملة ، سواء تعلّق الأمر بالبرامج والمناهج أو الموارد البشرية أو التسيير والتدبير أو الشراكة والتمويل . مرورا ب " المخطط الاستعجالي " الذي راهن على تجاوز الاختلالات ، ومعالجة المشكلات ، وتحفيز المبادرات والامتياز . ووصولا إلى " المخطط الاستراتيجي 2013 / 2016 " الذي جعل من بين أهدافه الاستراتيجية " إنشاء نظام وطني للارتقاء بجودة المنظومة التربوية بجميع مكوناتها ، وإرساء دينامية مستمرة لجودة المخرجات ، يشارك فيها جميع الأطراف المعنية بنظام التربية والتكوين " ( 1 ) .
وتماشيا مع هذه الفلسفة الجديدة القائمة على الجودة والحكامة والديمقراطية التشاركية ... فقد عزمت المفتشية العامة للشؤون التربوية القيام بافتحاص شامل لجميع المؤسسات التعليمية الثانوية الإعدادية والتأهيلية ابتداء من هذا الموسم الدراسي الحالي 2014 / 2015 ، ورغبة منها أن تكون المعرفة بواقع المنظومة التربوية أشمل وأعمق ، فقد أرفقت شبكة الافتحاص بأربعة استبيانات تخص التلاميذ ، هيئة التدريس ، هيئة الإدارة التربوية ، بالإضافة إلى هيئة التأطير التربوي . ولتحقيق هذه الغاية فقد تم عقد عدة أيام دراسية ولقاءات تواصلية بمختلف أكاديميات ونيابات المملكة .
في هذا الإطار انعقد بالنيابة الإقليمية زاكورة يوم 09 / 01 / 2015 لقاء تواصلي ترأسه السيد النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية ، وقد حضر اللقاء رؤساء المصالح النيابية إلى جانب السادة مديري الثانويات الإعدادية والتأهيلية العمومية بالإقليم ، وكذا المفتشون التربويون ومفتشو التوجيه التربوي . وقد خصص اللقاء لتقديم منهجية الاشتغال ، والتعريف بالمحاور التي سيشملها الافتحاص من بينها التنظيم الإداري ، والتنظيم التربوي ، والمشروع التربوي للمؤسسة ، والمردودية الداخلية للمؤسسة ، والديمقراطية التشاركية . وقد أشار السيد النائب في كلمته إلى دواعي الافتحاص والدراسات التربوية ، والأهداف التي يرمي إليها ومن أهمها الوقوف على الاختلالات من أجل التصحيح والتعديل ، وعلى مكامن القوة والتميّز من أجل تثمينها وتعميمها ونشرها ، وبيّن أن الافتحاص التربوي ليس مراقبة أو تفتيشا ، بل هو آلية تساعد المسؤولين على التدبّر والتسيير ، والتعرف على واقع المؤسسات التعليمية وعلى مواطن القوة والضعف فيها . وعلى هامش اللقاء الأول عقد السيد النائب مرفوقا برئيس مصلحة الشؤون التربوية جلسة خاصة مع المفتشين التربويين ومفتشي التوجيه التربوي من أجل وضع برنامج عمل دقيق وجدولة زمنية للافتحاص ، ثم تحديد فرق الافتحاص وتوزيع المناطق والمؤسسات التي سيشملها الافتحاص .
2 ـ إجراء عملية الافتحاص التربوي:
انطلقت عملية الافتحاص التربوي يوم 12 / 01 / 2015 من طرف كل الفرق التي أنيطت بها هذه المهمة . وقد وفّرت النيابة كل الوسائل اللوجيستيكية والمادية لكي تمر عملية الافتحاص في أحسن الظروف . ومن خلال الزيارات التي قام بها المعنيون للمؤسسات الثانوية الإعدادية والتأهيلية للقيام بالافتحاص وملء الاستبيانات ، فقد تبيّن لها أنها تتوفر على معايير ومؤشرات الجودة وبدرجة عالية خاصة في مجال التدبير الإداري والتربوي ، كما لوحظ أن هناك جهودا حثيثة لإرساء الديمقراطية التشاركية الداخلية والخارجية من خلال تفعيل مجالس المؤسسة ( مجلس التدبير ـ المجلس التربوي ـ المجالس التعليمية ـ مجالس الأقسام ) والجمعية الرياضية ، ثم جمعية دعم مدرسة النجاح ، ومن خلال انفتاح هذه المؤسسات على محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي حيث أصبحت جمعيات آباء واولياء التلاميذ شريكا استراتيجيا في المشروع التربوي للمؤسسات ، كما أن هذه المؤسسات تعمل جاهدة على بلورة مشاريع تربوية جادة تهدف إلى الرقي بمستوى التلاميذ وتحسين كفاياتهم المعرفية والمنهجية والتواصلية ، سواء من خلال التأسيس لدعم تربوي فعّال ، أو من خلال التشجيع على الانخراط في الحياة المدرسية وتفعيلها عن طريق النوادي التربوية والثقافية والفنية .
3 ـ ما بعد عملية الافتحاص التربوي
يلعب الافتحاص التربوي دورا مهما في الكشف عن حقيقة المؤسسات التعليمية ، فهو بمثابة آلية عملية وموضوعية للكشف والتشخيص ، وأداة أيضا للمساعدة على التحسين والتطوير وهذا ما اشار إليه عبدالكريم غريب بقوله : " وما نود التشديد عليه بهذه المناسبة هو أن الأوديت أو التفحص ، سوف يساهم بدون شك في الرفع من نجاعة ومردودية منتوج المدرسة ، المتمثل في جودة تعلّم المتعلمين " ( 2 ) .
ومن أجل أن يكون الافتحاص مجديا ينبغي أن ينتهي برأي أو حكم ، وأن يأخذ بهذا الرأي وبنتائج الافتحاص في بناء مشاريع تربوية في المستقبل ، وفي تصحيح ما ينبغي تصحيحه ، وتطوير ما ينبغي تطويره . ولكي يكون الافتحاص أكثر عمقا وأكثر موضوعية وتأثيرا يلزم أن يكون شاملا ، وأن يسبر آراء مختلف الأطراف المتدخلة في الفعل التربوي القريب منها والبعيد .
وحتى يكون الافتحاص ناجحا يلزم نشر ثقافة الافتحاص وثقافة الجودة والحكامة من خلال محاضرات وندوات وعروض وتكوينات وورشات تطبيقية وعملية ، وأن تشمل هذه الثقافة جميع الأطراف المشاركة في الافتحاص . ولكي يكون له أثر حقيقي على منظومة التربية ينبغي أن يفضي الافتحاص إلى تغيير شمولي ، وأن لا يظل مجرد تدبير لحظي عابر . وفي الأخير لابد من القول أن الافتحاص ما هو إلا خطوة في طريق طويلة ، أي طريق الإصلاح الشامل لنظامنا التعليمي حتى يواكب التحولات العميقة والعاصفة التي يعرفها العالم ، وحتى يصبح التلميذ المغربي أكثر إقبالا على التعلّم وعلى القراءة وعلى الانخراط بإيجابية في سيرورة العلم والمعرفة والبناء ، وحتى يصبح للمدرسة معنى وجدوى وجاذبية ... وعملية بناء المعنى كما يقول الأستاذ محمد بوبكري ليست عملية سهلة " إنها عملية بناء الفرد لهويته ، ويمكن أن تشكل المدرسة مسرحا لهذه العمليات ... " . ( 3 )
ـ الهوامش :
1 ـ إرساء الجودة بقطاع التعليم ـ العربي الهداني ـ مجلة علوم التربية ـ العدد 49 ـ 2011 ـ ص : 80
2 ـ المنهل التربوي ( الجزء الأول ) ـ عبدالكريم غريب ـ منشورات عالم التربية ـ ط 1 ـ 2006 ـ ص : 108
3 ـ المدرسة وإشكالية المعنى ـ محمد بوبكري ـ دار الثقافة ( الدار البيضاء ) ـ ط 2 ـ 2000 ـ ص : 74
إعداد :
ـ ابراهيم ديب مفتش تربوي
ـ يوسف أيت داود مفتش في التوجيه التربوي
