يثير موضوع العلاقة بين المدرس والمتعلم نقاشاً متجدداً داخل الأوساط التربوية، نظراً لما يكتسيه من أهمية في بناء الأجيال وصناعة المستقبل. وفي هذا السياق، يقدم نورالدين الطويليع مقالاً بعنوان "المدرس والمتعلم: أبعاد إنسانية وتربوية في واقع معقد"، مسلطاً الضوء على البعد الإنساني لهذه العلاقة وما يحيط بها من تحديات وإكراهات. كما يدعو إلى ترسيخ قيم الثقة والحوار والتعاون بين الأسرة والمدرسة خدمةً لمصلحة المتعلم.
نورالدين الطويليع
ونحن نتحدث عن المدرس والمتعلم لابد أن نضع في البداية العلاقةَ التي تجمعهما في سياقها التربوي السليم، بعيدا المحاولات التسميمية التي تسعى إلى تصويرها كما لو كانت علاقة اقتناصية، لا تربطها بالتربية أي رابطة، وينظر كل طرف منها إلى الآخر نظرة ملؤُها الرغبة في المحو والافتراس.
المدرس أَبٌ يحمل في كنفه قلبا خافقا بالإنسانية، والمتعلم ابْنٌ، يجد في أستاذه ملاذه التربوي، وتتطور في كثير من الأحيان هذه العلاقة لتسمو إلى مرتبة الاحتضان الإنساني، مع ما يرتبط به من قيم سامية، يتحول فيها المدرس إلى مثال ونموذج ملهم لتلميذه على مر السنين، وعلى امتداد عمره.
لسنا راجمين ها هنا بحبل المثالية، أو راسمين لوحة من خيال، بل إننا ننطلق من الواقع، فما نحن إلا نِتاج أساتذتنا، اجتمعت فينا نُسَخٌ منهم، جمعناها على امتداد سنوات تمدرسنا في مختلف الأسلاك التعليمية، وفي مسارنا الجامعي، وشكلنا منها النموذج الذي ارتضيناه ليكون لنا "معطف غوغول"، متوسمين فيه أن يحملنا إلى الأفق الذي نحلم به، ولاشك أن ذاكرة كل واحد منا مليئة بالنماذج الأستاذية التي يوظف كُلاًّ منها حسب الظروف و الحيثيات والتحديات التي تواجهه.
في ظل وضعية هذه سماتها يمكننا أن نقول بكل طمأنينة إن المدرسَ مُوَجِّهٌ ومؤطر ومحتضن، قد يعنف تلميذَه أحيانا بروح أبوية وغيرة أستاذية، ونكاد نجزم في هذا السياق أن الممارسة التربوية في الفصل لا تخلو من مشاهد يطبعها طابع التوتر الذي قد يتطور إلى استعمال غير مبالغ فيه لعنف ناتج عن تداعيات بناء الدرس، وما يقتضيه من حزم ومراقبة وضبط لتلاميذ يتجاوز عددهم أحيانا 40 تلميذا، لاشك أن تربيتهم مختلفة، وأن فيهم من عرفت تنشئته الاجتماعية ظروفا صعبة، ومن تربى على العنف، فصار لا يستجيب إلا في ظله، ولاشك في المقابل أن فيهم من تربى على اللطف واللين، وربما تطور الأمر بالنسبة إليه في حال استعمال العنف ضده إلى اضطراب نفسي أو خوف مرضي... هذه التركيبة المعقدة تضع المتعلم في صلب إشكالية عميقة، كل إجابة منفردة عنها لن تقدم الحل، ولن تمكن صاحبها من لَمِّ شتات فصله وقيادة فريقه إلى شاطئ الأمان.
من الواجب إذن أن تتفهم الأسرة وضع المدرس، وأن تفتح معه جسر التواصل والحوار، لتعرف كل التفاصيل المرتبطة بابنها، وأن تكون على بينة من تحصيله الدراسي، وإذا تبين لها أن مُدَرِّسَهُ يعمل بإخلاص من أجل تعليمه وتنويره، فلا بأس من مكافأته بكلمة طيبة، وإذا بدر منه عنف غير مقصود وغير مُؤْذٍ، فليكن منها غض الطرف، لأن هذا المدرس إنسان، وليس آلة، وطبعي أن يشهد إيقاع مشاعره مدا وجزرا.
نرجو صادقين أن نخرج جميعا (أسرا وأساتذة) من دائرة الارتياب والخوف، وأن نؤسس لعلاقة متينة مبنية على التفهم والوضوح والصراحة، وأن نتجاوز منطق ترصد الأستاذ والبحث عن سقطاته، لا لسواد عينيه، بل لمصلحة أبنائنا، فحين يشعر الأستاذ بالخوف، وبسيف المتابعات القضائية قد يجنح إلى إهمال تتبع تلاميذه، لن يسألهم حينها عن واجباتهم، وعن مراجعتهم للدرس، وعن إحضارهم للكتاب المدرسي... لن يراقب دفاترهم، وإن فعل، سيكتفي بما شاهد دون أن يُتْبِعَ ذلك أي إجراء، وحينها سيجد التلميذ نفسَه في منطقة الراحة، ولن يكلف نفسه عناء إتعابها، لاسيما إن وجد الحماية من أسرته، وسمع من والديه ما يفيد انتظارهما ارتكاب المدرس سلوكا عنيفا ضده من أجل متابعته قضائيا.